العودة     عينات من عمق تاريخ السودان ( الحلقة 2 ) : جبال النوبة الجنوبية


عينات من عمق تاريخ السودان ( الحلقة 2 ) : جبال النوبة الجنوبية


عينات من عمق تاريخ السودان ( الحلقة 2 ) : جبال النوبة الجنوبية


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-30-2012, 11:27 PM   #1
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()
المشاهدات: 25329 | التعليقات: 17

عينات من عمق تاريخ السودان ( الحلقة 2 ) : جبال النوبة الجنوبية


بسم الله الرحمن الرحيم

عينات من عمق تاريخ السودان ( الحلقة 2 ): جبال النوبة الجنوبية


استكمالاً لما بدأناه المرة الفائتة في سلسلة من عرض بعض النتائج النوعية للمجموعات السودانية القديمة، فإن مجموعتنا لهذا اليوم، ذات ثقل كبير، و تاريخ موغل في القدم في تاريخ السودان، إن إعلاننا اليوم سيتضمن الحديث عن عينتين من منطقة جبال النوبة، و هي منطقة جبلية في ولاية جنوب كردفان الواقعة اليوم على الحدود الجنوبية لجمهورية السودان مع جمهورية جنوب السودان التي أعلنت استقلالها العام الماضي (2011م).






موقع جبال النوبة داخل المستطيل جنوب السودان الشمالي

التعديل الأخير تم بواسطة أبو إبراهيم ; 08-30-2012 الساعة 11:29 PM
  رد مع اقتباس
قديم 08-30-2012, 11:28 PM   #2
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()



عينتا هذا اليوم من قبيلتين عريقتين هما (النيمانق - Nyimang) و (الغلفان - Ghulfan) المنتميتان لمجموعة جبال النوبة، أما صاحب العينة الأولى فهو السيد عبد العزيز حسن، من بطن (كُرْمِتي – Kurmiti) من النيمانق، أما العينة الثانية فهي للسيد عبد المحسن الفكي، من بطن (مُرُنْق – Morung) من الغلفان، الذين ينتمون بدورهم لمجموعة (الأجانق – Ajang) (انظر: قبائل السودان – أحمد عبد الله آدم: 242)، و سنعطي سرداً ملخصاً في سبيل التعريف بتلك المجموعات العريقة.
  رد مع اقتباس
قديم 08-30-2012, 11:32 PM   #3
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()



تعريف بسكان جبال النوبة:
و كما نجد في مسمى مجموعة (جبال النوبة)، فهو دال على أنها مجموعة قطنت بلاد النوبة (كوش) منذ أمد بعيد، و رغم وجود جدل لا يزال قائماً بين مختلف الباحثين و المؤرخين حول تاريخ مجموعات جبال النوبة، و مدى صلتها بمجموعات النوبة القاطنة في شمال السودان. إلا أنه يكاد يكون الأمر محل إجماع بأن وجودهم في حدود القطر السوداني موغل في القدم، و أن لهم صلات لغوية و ثقافية و عقائدية تجمعهم بنوبة الشمال الذي تحدثنا عنهم سابقاً في مناسبة التعريف بملوك دنقلة.

يقول نعوم شقير في تاريخ السودان (1/128):
"و قد اختلف المحققون في أصل تسمية تلك الجبال بجبال النوبة، فمن قائل أنه اسمها القديم و أن النوبة الذين يسكنونها هم أصل للنوبة الذين على نيل دنقلة بدليل ما وجدوه من التشابه بين لغة القومين و عدم اشتقاق لغة النوبة الذين على النيل من لغات الساميين الذين هاجروا إلى إفريقية من آسيا.
و من قائل أنها سميت كذلك لأن النوبة الذين على النيل ملكوها و أدخلوا إليها لغتهم كما جرى لأهل النوبة العليا مع المسلمين.
و رأى البعض الآخر أنها سميت باسم النوبة الذين فروا إليها من دنقلا و سوبه بعد خرابهما كما مر." ا.هـ.

و قد علما من صاحبي العينتين أن اللغة التي يتحدث كل منهما بها تشابه إلى حد بعيد معا لغة الدناقلة سكان النوبة الشمالية، و يكادون يفهمون بعضهم البعض عند حديث كل مجموعة بلغتها الخاصة، إضافة لذلك فقد أخبرنا أحد الذين تعرفنا بهم في سبيل إيجاد تلك العينات القيمة بمعلومة مهمة في تقليد الدفن المتبع عند بعض مجموعات جبال النوبة، إذ أخبرنا بأنه و إلى عهد قريب كان النسوة يجملن البيوت برسوم تشابه تلك الفرعونية التي نراها في بعض المعابد و القصور المصرية القديمة، و قيل لنا أيضاً أن طريقة دفن الموتى كانت إلى فترة الستينيات من القرن العشرين تقريباً، تستمد من تقاليد الدفن الملوكي المصري القديم، إذ أنهم سابقاً كانوا يحنطون جثة المتوفى، ثم يقومون بحفر شق في الأرض يصل إلى حجرة، و يضعون جثمان الميت على سرير، و رغم أن عملية حفر القبر تستغرق أياماً، إلا أن الجثمان يحافظ على شكله لحظة موته بفعل عملية التحنيط التي قام بها آل الميت له، ثم يدخلونه في ذلك الشق الواصل للحجرة، و يحضرون بعض مقتنيات الميت و يضعونها بجواره، ثم يسدون ذلك الشق. هذا تماماً ما كان يفعله المصريون القدماء عند دفن موتاهم، و لا بد أن تلك العادة و غيرها قد حافظ عليها أولئك النوبيون منذ أن اتصلوا بالحضارة المصرية القديمة، و نقلوا عنها بعض مظاهرها، اللغوية و الثقافية و العقائدية، و ذات الأمثلة من تشابه العادات و التقاليد بين النوبة الجنوبيين و الشماليين نجده في كتاب القبائل السودانية و التمازج القومي لصديق بادي (ص132)، و يضيف شقير إلى ذلك بعض التقاليد النصرانية الموروثة عن ممالك النوبة النصرانية مثل أنه "إذا ولد للنوبة ولد و كان عمره أربعين يوماً أخذته أمه إلى الكجور و هو رئيس ديانتهم و سألته أن يخرج منه الأرواح النجسة فيغطسه بالماء و يدفعه إلى أمه، و ذلك من التقاليد المحفوظة عن النصرانية" (انظر: نعوم شقير – تاريخ السودان: 1/128).

يقول صديق بادي في كتابه القبائل السودانية و التمازج القومي عن مجموعة الأجانق و التي منها الغلفان (ص131):
" و قد هاجرت من شمال السودان بعد الفتح الإسلامي عام641م و اتجهت جنوباً حتى منطقة البجراوية ثم المقرن و سوبا و اتجهت غرباً عبر الجبال الشرقية مروراً بشركيلا حتى وصلت لموقعها الحالي". ا.هـ.

و ما ذكره الأستاذ صديق بادي ربما يقارب في الواقع إحدى الفرضيات في مدى الوجود التاريخي لأسلاف أهل جبال النوبة الجنوبية في مناطق النوبة الشمالية، و تفسير ذلك التشابه الفريد من نوعه بين كلا المجموعتين النوبيتين الشمالية و الجنوبية.
و ينحو الأستاذ أحمد عبد الله آدم ذات المنحى و يرجع أصول النوبة الجنوبية للشمال، فيقول في كتابه قبائل السودان (ص242):
"و مجتمع جبال النوبة تكون إثر هجرات عبر التاريخ لأقوام قصدوا الجبال من جهات شتى و أصول متباينة جزء منها جاء إلى الجبال بغرض الاحتماء بها من غارات القبائل و الجماعات الأقوى وقتها، و ذكر بعض المؤرخين أن النوبيين بالشمال هم أساساً كانوا سكان مصر الأصليين القدماء و أنهم هربوا من السخرة الفرعونية إبان بناء الأهرامات حيث استقروا بشمال السودان ثم انفصل جزء منهم فوصل جبال النوبة الحالية و عاش بها، و جزء منهم ذهب إلى شمال دارفور". ا.هـ.

و نجد أن لهارولد ماكمايكل رأياً آخر بأن وجود أسلاف أهل جبال النوبة الجنوبية –الذين يصفهم بالزنوج عوضاً عن مصطلح البرابرة الذي يستخدمه لوصف نوبة الشمال- كان طارئاً في مرحلة تاريخية ما، من عصر الممالك القديمة في المنطقة، مما يخالف الرأيين السابقين -بادي و آدم- بأن النوبة الجنوبية هي بالأصل من الشمال، إذ أنه يذكر في كتابه تاريخ العرب في السودان (ص14):

It may be the case, and probably is, that the southern Nuba are to some extent the modern representatives of the race of negroes who temporarily held Dongola and the cataract country south of Halfa in the days of the Middle Kingdom and early Empire and whose congeners, no doubt at a later date, formed part of the forces of the Ethiopian dynasty that conquered Egypt and ruled it for something less than a century, but these negroes were aliens in the northern Sudan and most of them were forced back to the south, and their place in Lower Nubia was taken by its original inhabitants and settlers from Egypt.

و مقصود الفقرة هو:
قد يكون الأمر-و هو على الأرجح- أن النوبة الجنوبية هم إلى حد ما ممثل حديث لجنس الزنوج الذين استحوذوا مؤقتاً على دنقلا، و منطقة الشلال جنوبي حلفا، إبان عهد الدولة الوسطى، و الإمبراطورية السابقة، و هؤلاء المشابهون لهم، لا شك أنهم في وقت لاحق، شكلوا جزءاً من القوات الإثيوبية، التي غزت مصر وحكموها لفترة أقل من قرن من الزمان، و لكن هؤلاء الزنوج كانوا أغراباً في شمال السودان، ومعظمهم أجبر للتراجع إلى الجنوب، و قد استرجعت معاقلهم في النوبة السفلى عن طريق سكانها الأصليين والمستوطنين المصريين. ا.هـ.
و نجد تفصيلاً أكثر عند ماكمايكل عند حديثه عن الصلة بين النوبة الجنوبية بالشمال، إذ يقول (ص20):
There is some reason to think that these negroes whom Senusert III defeated and forbade to pass north of Halfa, the "plaited-haired ones" with whom Thothmes I later warred farther to the south, the men depicted as tall, coarse, full-blooded negroes, were probably akin to the tall mesaticephalous type that now survives in southern Kordofan and whose remains, dating from the time of the twenty-fifth dynasty (Taharka, Tanutamon, etc.) and earlier, have lately been found at Gebel Moya and other hills in the Gezira. They no doubt followed the Nile in their northward movement, impelled perhaps by the Nilotic stock behind them, but it is as well to bear in mind the possibility that some of them also came overland through Kordofan by way of the Wadi el Mukaddam.

و هو ما معناه:
هناك بعض الأسباب التي تجعلنا نعتقد بأن هؤلاء الزنوج هم الذين هزمهم سينوسرت الثالث و منعهم من التقدم شمال حلفا، و أولئك مضفورو الشعر الذين قاتلهم تحتمس الأول، و جعلهم يتراجعون جنوباً، و إن رسوم أولئك الرجال تظهرهم طوال القامة، شديدي البنية، و زنوج، و إنه من المعتقد أنهم مماثلون من ناحية طول الجمجمة لدى المجموعات المتواجدة في جنوب كردفان، مع رفاة أولئك المدفونين منذ عهد الأسرة الخامسة و العشرين –مثل تهارقا، و تانوت آمون، و غيرهم-، و من قبلهم، و قد اكتشف رفاة بعضهم في منطقة جبل موية و مرتفعات أخرى بمنطقة الجزيرة، و إنهم بدون شك قد تتبعوا النيل في تحركاتهم نحو الشمال، و ربما دفعوا عن طريق المجموعات النيلية القاطنة خلفهم، و لكنه أيضاً يجب اعتبار احتمال أن بعضهم قد قدم عن طريق الطريق البري الذي يشق كردفان و ذلك عن طريق وادي المقدم –يصب عند منطقة كورتي جنوبي دنقلة-. ا.هـ.

و من خلال البحث الأثري، فإننا نجد بعض الاكتشافات الدالة على مقابر قديمة لقوم ضخام عراض الجثة، متناثرة في مواقع يعتقد بأنها كانت مأهولة في قديم الزمان، و يقول ماكمايكل نقلاً عن بعض المستكشفين (هامش ص20):
Dr Derry, who examined the burial sites at G. Moya, and Prof. Seligman who has closely studied the Nuba of southern Kordofan, agree as to the close resemblance between the early Ptolemaic negro of the Gezira and the present type in southern Kordofan (see Seligman, loc. cit. p. 625(.

"The cemeteries of this site [G. Moya] have yielded the remains of a tall coarsely built Negro or Negroid race with extraordinarily massive skulls and jaws. In a general way they appear to resemble the coarser type of Nuba living in south Kordofan at the present day, and it is significant that the cranial indices of the men of Jebel Moya and the Nuba hills agree closely."

و معنى الفقرة السابقة هو التالي:
إن د. ديري الذي قام بدراسة بعض مواقع الدفن في جبل موية، و البروفيسور سلقمان الذي قام بدراسة دقيقة للنوبة بجنوب كردفان، يتفقان على التشابه الوثيق بين أولئك الزنوج المعاصرين للفترة البطلمية، الذين قطنوا منطقة الجزيرة، و بين أولئك النوبة في جنوب كردفان.
و يذكر ماكمايكل عن سلقمان:
"كما أن المقابر في موقع جبل موية قد أظهرت بقايا لزنوج أو جنس زنجي ذي بنى طويلة و شديدة، و له جماجم و أفكاك عظيمة بشكل غير عادي، و بشكل عام فهم يمثلون النوع الغليظ للنوبة الذين يقطنون جنوب كردفان في الوقت الحالي، و إنه من المهم القول أن قياس الجمجمة لرفاة الرجال بموقع جبل موية و أولئك بجبال النوبة متفق بشكل كبير." ا.هـ.

و يجمل ماكمايكل رؤيته عن الصلة التي جمعت نوبة الجنوب بغيرهم من الشعوب التي قطنت بلاد النوبة فيقول (ص29):
In any case there is evidence of a close connection between the negro invaders of the second millennium B.C., the rank and file of the Nubians who conquered Egypt under the twenty-fifth dynasty, the inhabitants of the Gezira at the same period, the present inhabitants of the Nuba mountains of southern Kordofan, the Nobatae of Lower Nubia, and the so-called Nuba of northern Kordofan. The weakest link in the chain is perhaps that connecting northern and southern Kordofan, but even here, at the present day, though the general physique is obviously quite different, there is a common fund of superstitions connected with rainmakers and serpents, and recognizable cranial resemblances.
وهو ماضمونه :
على كل حال، فإنه هناك دليل على صلة وثيقة بين الغزاة الزنوج الذين وجدوا في الألفية الثانية قبل الميلاد، و الجنود النوبيين الذين فتحوا مصر تحت قيادة الأسرة الخامسة و العشرين الكوشية الأصل، و سكان منطقة الجزيرة في ذات الفترة الزمنية، و السكان الحاليين لجبال النوبة في جنوب كردفان، و شعب النوباط الذي قطن النوبة السفلى، و أولئك النوبة الذين يقطنون شمال كردفان. و ربما تكون أضعف نقطة في تلك الصلة، هي الصلة بين شمال و جنوب كردفان، و لكن حتى هذه النقطة و برغم وجود فروقات جسمانية ظاهرة بين المجموعتين، فإنه في الوقت الحاضر يوجد تماثل بين المجموعتين في المعتقدات المتعلقة بالمطر، و الثعابين، و قياسات الجمجمة. ا.هـ.

و نذكر نصاً تاريخياً مهماً مر علينا في موضوع ملوك دنقلة، لما غزا الملك الحبشي عيزانة بلاد كوش و دمر عاصمتهم مروي، و قد ذكرنا أن هناك فرقاً ظاهراً في سحنات النوبة، و ذلك بحسب نقش تاريخي هام، إذ نجد أن ملك أكسوم (الحبشة) عيزانا، بين سنة 300 و 350م، قد أرخ لمعاركه ضد أهل المملكة و سجل انتصاراته عليهم، و قد ميز تلك الشعوب التي انتصر عليها، فقد ورد في تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة للدكتور فانتيني، (ص35):
"سار الملك عيزانة بطريق وادي عطبرة إلى ملتقى النيل مدة ثلاثة و عشرين يوماً ثم توجه جنوباً و هاجم مدينة مروي كبوشية و دمر منازل (النوبة السود)، كما يذكر في النصب التذكاري في أكسوم ثم توجه شمالاً و سار على وادي النيل و ربما بلغ ضواحي مدينة أبو حمد الحالية و ما بعدها، و طارد النوبة الآخرين الذين يسميهم (النوبة الحمر)". ا.هـ.

فهنا ميز سجل الملك عيزانا بين أمتين نوبيتين، إحداهما سوداء، و الأخرى حمراء، و هذا ربما موافق لما وضحناه آنفاً، بل نجد أن ماكمايكل قد وضح وضع النوبيين الجنوبيين أكثر و مدى صلتهم بالشمال، فلا نستغرب إذن عندما يفرق ملك الحبشة عيزانة بين سكان مملكة كوش التي غزاها، و أنهم جنسان متمايزان، كما ذكرناه.

و يؤكد هذا الاستنتاج ما ذكره الخبير بالتاريخ النوبي و عالم الآثار د. أسامة عبد الرحمن النور، و كيف أن النوبا الزرق ربما يكونون من أصول ترجع للجهات الجنوبية من مملكة كوش، و في ذلك يقول:
"خلال القرون الميلادية الأولى أخذت في التمدد شمالاً مجموعة إثنية ثقافية قادمة من الأجزاء الجنوبية الغربية للمملكة، وهي المجموعة التي سماها لاحقاً نقش ملك أكسوم عيزانا بالنوبا الزرق. ونكاد لا نعرف شيئاً عن النوبا الزرق، لكننا نستطيع أن نستنتج من نص عيزانا، الذي سنورده لاحقاً، أنهم سيطروا في نهاية القرن الرابع الميلادي على جزء من جزيرة مروي، أي الرقعة الممتدة ما بين النيل الأزرق ونهر عطبرة، بعد وصولهم من جنوب كردفان. على كل فان بعض اللهجات في لغات جبال النوبا الحالية تظهر تشابهاً مع اللهجة الدنقلاوية للغة النوبية، ولا نتفق مع الادعاءات القائلة بأن مرَّد ذلك التشابه إنما يعود إلى الصلات التجارية التي نشأت بعد وصول الهجرات العربية إلى السودان...

يبدو أنه وقبل انهيار مملكة مروى بعشرات السنوات استولى النوبا الزرق على بعض المدن المروية، ويحتمل أنهم تدريجياً وبدون اللجوء لاستخدام القوة تمددوا في جزيرة مروي. وقد سكن النوبا الزرق، حسب نقش عيزانا في منازل من القش، و مارسوا الزراعة و الرعي وانتقلوا إلى نمط حياة مستقر. لازال غير واضح العمق الشمالي لهذا التمدد، لكن عيزانا يشير إلى تمدد وضعهم بجوار ما اسماهم النوبا الحمر" ا.هـ.

(انظر: مجلة الآثار السودانية (أركماني)، العدد الأول، أغسطس 2001، حلقة: رؤية مجددة في تاريخ كوش الثقافي – 8)

و لعلنا نذكر إفادة مهمة لمصطفى مسعد ورد ذكرها في موضوع ملوك دنقلة، يوجز فيها عرقيات بلاد النوبة،(ص19):
"و من السهل أن نسلم بعد دراسة نتائج أبحاث علماء الآثار و الأجناس بأن النوبيين بوضعهم الذي كانوا عليه عندما استقبلوا الدعوة المسيحية كانوا يمثلون خليطاً من سلالات حامية مثل سلالة قدماء المصريين في عصر الأسرات الأول و ما قبلها، و من سلالات زنجية، و ذلك لأن بلاد النوبة منذ عهد الأسرة الثالثة المصرية استقبلت جماعات حامية من الشرق و الغرب و جماعات مصرية من الشمال، كما أنها أخذت تستقبل من الجنوب جماعات زنجية". ا.هـ.
  رد مع اقتباس
قديم 08-30-2012, 11:33 PM   #4
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()

فروع النوبة الجنوبيين:
إن النوبة الجنوبيين كثر و لهم بدنات عديدة، و إنما نجمل منهم ما ذكره عون الشريف قاسم من فروع سكان جبال النوبة في موسوعة القبائل و الأنساب (6/2509-2510):

"و هم ينقسمون إلى نوبا الجبال الشرقية و نوبا الجبال الغربية و هم قبائل و مجموعات متعددة تتخذ من الجبال و المناطق أسماء لها. و منهم الكواليب و الغلفان و النيمانج. و تتكون إمارة النوبة بريفي لقاوة من سبع جبال في الجزء الشرقي من محافظة السلام بولاية غرب كردفان و هي: جبل الكاشا، و جبل الشعر، و جبل أبوجنوك، و جبل طبق، و جبل تيما، و جبل كمدة، و جبل تلشي.
و القبائل التي تسكنها و سميت عليها كانت فيها سلطنات مستقلة لا تخضع للإدارة الأهلية مما اضطر الحكم الثنائي لضمها لنظارة المسيرية الزرق، و استمر الوضع كذلك إلى أن أصبح لهم إمارة بريفي لقاوة منذ 1992م". ا.هـ.
  رد مع اقتباس
قديم 08-30-2012, 11:35 PM   #5
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()

تجاور النوبة مع القبائل العربية:
لقد كان للنوبة تجاور مع بعض القبائل العربية التي نزحت و استقرت بجوار مواطن النوبة هؤلاء، مما أدى لتمازج بين تلك المجموعات العربية و من جاورهم من النوبة، فمثلاً يذكر عون الشريف في شأن مجموعة الأجانق (6/2510): "و قد اختلطوا بمن جاورهم من القمز و الحوازمة و البديرية و كنانة و المسيرية و بينهما صلات حميمة".

و كذلك الأمر يذكره في مجموعة كادقلي النوبية: "و لهم علاقات وثيقة مع بعض بطون المسيرية الزرق لاسيما أولاد سليم و الديهمات".

بل إن هناك فرعاً من قبيلة الحوازمة العربية تسمى بـ(أولاد نوبا)، و هم فرع من الرواوقة، من الحوازمة.
و يبدو أن معظم تلك القبائل العربية إنما كثير منها ينتمي لمجموعة البقارة العربية التي ترتحل في مناطق المراعي الخصبة المتاخمة لجبال النوبة.

بل إن مملكة تقلي و عاصمتها العباسية، الواقعة في الجبال الشرقية قد أقامها أفراد من العرب، و كانت لهذه المملكة شأن أيام سلطنة سنار، حتى أنها حافظت على استقلالها، و كيانها مما جاورها من سلطنات و ممالك عتيدة، و قد فصل الأستاذ عبد القادر محمد عبد القادر دورة في شأن هذه المملكة في كتابه الممتع (تاريخ مملكة تقلي الإسلامية)، و ذكر كيف أن هذه المملكة تولت زمام المبادرة في نشر الدين الإسلامي بين سكان جبال النوبة، و ترافق ذلك مع اجتذاب كبير للعناصر العربية و التي وجدت في تلك المملكة العربية المنشأ، الإسلامية الديانة، ملجأ لها في رحلات نزوحها و هجراتها، و من بين تلك القبائل التي وفدت قبائل الجوامعة، و الكواهلة، و كنانة، و الحوازمة، و البديرية، و الجموعية، و أولاد حميد، و غيرها.

و من الجانب الآخر، فقد كانت هناك نواح لا تزال ممتنعة بالجبال، منعزلة عن التواصل مع تلك المجموعات العربية الوافدة، مما دعا أن يظلوا على دياناتهم المحلية، و معتقداتهم الوثنية، بل إن مجموعات منهم ظلوا و حتى فترة الستينيات من القرن العشرين، لا يعرفون من الحضارة و المدنية شيئاً حتى أن منهم كانوا عراة لا يسترهم شيء (انظر: أحمد عبد الله آدم – قبائل السودان: 243)، و إن الغرب النصراني تنبه لذلك، فوجده مدخلاً لبث سرايا التنصير، فكان أن وجد له موطئ قدم في تلك البلاد، و زاد ذلك التوغل التنصيري فترة القلاقل و النزاعات التي اجتاحت تلك البلاد، و غفلة المسلمين عنها، بل إن بعضاً من النوبة الذين دخلوا في الإسلام ارتدوا عنه و اعتنقوا النصرانية، و لا حول و قوة إلا بالله.

  رد مع اقتباس
قديم 08-30-2012, 11:36 PM   #6
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()



أما رقما العينتين فهما كالتالي:

النيمانق: M6949
الغلفان: M7129


و ختاماً نشكر د. مبارك سليمان الذي سعى جاهداً لإيجاد تلك العينات القيمة، و كذلك نشكر د. حسن كشكش الذي ساهم هو الآخر في تعريفنا بأصحاب العينات، فجزاهم الله خيراً.
  رد مع اقتباس
قديم 08-30-2012, 11:51 PM   #7
نجم سهيل غير متواجد حالياً نجم سهيل
عضو شرف

الصورة الرمزية نجم سهيل

رقم العضويـــة: 12
تاريخ التسجيل: Mar 2010
المشاركــــات: 294
آخر تواجــــــد: ()

كفيت ووفيت يا أبو إبراهيم
________________________________________

اللهم لك الحمد كما يبنغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك
  رد مع اقتباس
قديم 08-30-2012, 11:55 PM   #8
الحمروني غير متواجد حالياً الحمروني
عضو مميز


رقم العضويـــة: 36
تاريخ التسجيل: Apr 2010
المشاركــــات: 816
آخر تواجــــــد: ()

موضوع فريد و ثري و قيم ...مشكور أخي أبو ابراهيم على تعريفك بأصحاب العينتين و شكراً لمن سعا جهداً و مالاً و وقتاً حتى يحصل على العينتين ...
منطقة النوبة هي بدون شك من المناطق التاريخية الهامة في شمال شرق إفريقيا و هي مهد لحضارات عريقة موغلة في القدم ..
________________________________________

قريش مع مضر و مضر مع قريش

مشروع أمير المؤمنين إدريس بن عبد الله الكامل :

http://www.familytreedna.com/public/...ction=yresults
  رد مع اقتباس
قديم 08-31-2012, 01:49 AM   #9
الوشق911 غير متواجد حالياً الوشق911
مشرف عام

الصورة الرمزية الوشق911

رقم العضويـــة: 810
تاريخ التسجيل: Apr 2011
المشاركــــات: 1,498
آخر تواجــــــد: ()

موضوع وافي من كافة جوانبه مدعوم بعينات صريحة و فريدة لله درك يا بو إبراهيم
هكذا تكون المواضيع النموذجية في عالم الحمض النووي
فليتعلم أحبابنا كيف تكون الدراسات و البحوث المتكاملة و ليست كما سواليف جدتي الأسطورية
  رد مع اقتباس
قديم 08-31-2012, 03:01 AM   #10
الشنفري غير متواجد حالياً الشنفري
عضو شرف


رقم العضويـــة: 415
تاريخ التسجيل: Jul 2010
المشاركــــات: 679
آخر تواجــــــد: ()

نشكر الاخوان على هذة النتائج بدأت تتضح الصورة أكثر فأكثر
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 07:36 AM.



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
(Valid XHTML 1.0 Transitional | Valid CSS! | SEO) .
For best browsing ever, use Firefox.
جميع المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط، ولا تمثل بأي حال وجهة نظر المنتدى و إدارته