العودة     عينات من عمق تاريخ السودان ( الحلقة 1 ) : ملوك المقرة النوبية الشمالية


عينات من عمق تاريخ السودان ( الحلقة 1 ) : ملوك المقرة النوبية الشمالية


عينات من عمق تاريخ السودان ( الحلقة 1 ) : ملوك المقرة النوبية الشمالية


إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-29-2012, 01:12 PM   #11
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()

مأساة بني كنز:

و تظل المعلومات شحيحة فيما يلي من تاريخ المنطقة و أحداثها، لكن الظاهر من النصوص أن عام 767هـ/1366م كان حاسماً في الوجود الكنزي في دنقلا، إذ أن عرش النوبة لم يستقر بعد في يد الأسرة الكنزية، و أضحت تلك البقعة مسرحاً للاضطرابات التي كان للكنوز و لغيرهم من القبائل العربية التي استقرت في بلاد النوبة مثل بني جعد و بني عكرمة دور فيها (انظر مسعد ص178)، بل نرى أمراء من النوبة يطلبون مساعدة الحكومة المملوكية على بعض الملوك.

فمن ذلك خبر أورده المقريزي من أن سفارة نوبية مؤلفة من ركن الدين كرنبس، أحد قواد جيش النوبة، و ياقوت أحد التراجمة بها، و ياقوت فارس الدين، وصلت إلى القاهرة سنة 767هـ (1366م)، تخبر أن ثمة نزاعاً نشب بين ملك النوبة و بين ابن أخيه، و قد لعب العرب في تلك الحرب دوراً هاماً بتأييد أحد الطرفين على الآخر.
و بعد قتال مرير بينهما، و قتل على إثره الملك، هرب أخو الملك المقتول شمالاً، و أقام نفسه ملكاً، و بينما كان الأمر كذلك، فإذ بالأمير الثائر ابن أخ الملك، يتنبه لوضع البلاد المضطرب، و يوقن أن أمرها صار لعبة بيد العرب، فانقلب على حلفائه من بني جعد، و دبر مكيدة للتخلص منهم، و تصالح مع عمه، و طلبا معاً معاونة السلطان المملوكي الأشرف ضد العرب لاسترداد ملك بلادهما، فأرسل السلطان الأشرف حملة لنصرتهما على العرب و تأديب بني كنز و بني عكرمة، الذين استبدوا بأمر البلاد، عدا عن ذلك، فقد كانت تلك فرصة لاسترداد النفوذ المملوكي على هذه البلاد.

و من أعجب ما حصل في هذه الحملة، أن زعماء بني كنز رضخوا لها و سلموا و أعلنوا ولاءهم، بعد أن منحهم قائدها الأمير عبد الغني الأمان، ثم واصلت الحملة طريقها جنوباً لفك الحصار الذي فرضه بنو عكرمة على الملك النوبي، ثم بعد ذلك واصلت الحملة تحركها جنوباً، و في مدينة إبريم قبض قائد الحملة على زعماء بني كنز و بني عكرمة، و كان ذلك إيذاناً بمأساة ستلحق بهؤلاء. ثم قصدت فرقة مملوكية إلى جزائر ميكائيل، حيث يعسكر بنو عكرمة، و دارت موقعة قتل فيها كثير من بني عكرمة و فر الباقون إلى الجبال.
و بعد أن أتمت الحملة مهمتها في بلاد النوبة، و ثبتت الملك النوبي على عرشه، عادت الحملة إلى مصر في نفس العام، يصحبها أسرى بني كنز و بني عكرمة الذين أودعوا السجن.

لقد كانت العلاقات سيئة بين السلطة المملوكية و العرب عموماً، و بني كنز و بني عكرمة على وجه الخصوص، إذ نشهد تشفياً واضحاً أبداه المماليك تجاه أسراهم من هذين القبيلين، فقد بعثوا بأسراهم إلى أسوان حيث قتلهم جميعاً واليها المعروف بالدم الأسود سنة 1366م. فكان ذلك مولداً لفتنة عظيمة و غضب عارم أثاره أولياء المقتولين من القبيلتين، فأغاروا على أسوان، و اشتبكوا مع واليها الملقب بالدم الأسود، و قتل خلق كثير بمن فيهم الوالي نفسه، و نهبت البلد و خرب عمارها، و الله المستعان.

و أعاد المماليك الكرة على بني كنز عام 780هـ - 1379م، فاستطاعوا بسط نفوذهم مرة أخرى على أسوان بعد أن دبت الفوضى في أرجاء المنطقة، و تمكن حاكم أسوان من القبض على أحد عشر زعيماً من زعماء بني كنز و قتلهم و بعث برؤوسهم إلى القاهرة حيث علقت على باب زويلة، كما أرسل مائتان من أبناء هذه القبيلة مكبلين بالحديد إلى القاهرة. هذه الأحداث و غيرها ذكرها د. مسعد نقلاً عن المقريزي (ص179-181).

و هكذا ظل الصعيد الأعلى، و بلاد النوبة مسرحاً لمعارك الكر و الفر بين كلا الطرفين، المماليك و العرب بقيادة بني كنز.

و ممن ذكر تلك الأحداث أيضاً د. فانتيني، في كتابه تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة (ص188-189)، إذ يقول عقب أحداث عام 1366م، و إرسال النجدة المملوكية لأمراء النوبة:
"ذكر المؤرخون أن الملك و ابن أخته طلبا من السلطان قوة عسكرية ليزيلا جميع العرب الذين في دنقلا و يسترجعا العاصمة و وعداه بإرسال كمية من المال، فأرسل السلطان إليهما ثلاثة آلاف فارس تحت قيادة اقتمر عبد الغني حاجب الحجاب، فتمكنت البعثة من تنصيب سليل من أسرة دنقلا القديمة على العرش و لم يكن من أسرة بني كنز، و أنزلا عقاباً شديداً بالعرب و بني كنز الذين أسقطوا الملك الشرعي، هذا ما جاء في كتب المؤرخين، و لكننا نستنتج منها أن الدافع الأكبر الذي قاد السلطان إلى هذا التغيير كان رغبته في توطيد النفوذ المملوكي في دنقلا.

فتقدم حاجب الحجاب في سيره مرحلة مرحلة، و وصل إلى قوص و اتصل ببني كنز أولاً و طلب منهم أن يدخلوا في طاعة السلطان ففعلوا، و عندما كان الجيش يبحر ببطء عبر شلال أسوان الأول تقدم بعض بطون العرب إلى الدو و حاصروا الملك النوبي المقيم به، فلما بلغ الخبر حاجب الحجاب أرسل إلى الدو قوة سريعة ليحرر الملك من الحصار، و تمكنت هذه القوة من إلقاء القبض على زعيم العرب بني عكرمة و بني كنز ثم طاردت بعض العرب الذين التجأوا إلى جزيرة ميخائيل، فاشتبكوا و قتل كثير من العرب و غرق عدد كبير و أخذ الباقون أسرى مع حريمهم و أولادهم". ا.هـ. ولا حول ولا قوة الا بالله
  رد مع اقتباس
قديم 08-29-2012, 01:14 PM   #12
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()

و هكذا نرى أن تلك المنطقة قد شهدت الكثير من الأحداث و التطورات التي أثرت في مستقبلها، من حيث التركيب السكاني، و البنية الاجتماعية، و الميل العقدي و الديني، و التوجه السياسي بحسب المؤثر الوارد من الجارة الشمالية مصر.
و رغم أن بني كنز قد وجدوا أنفسهم في صدارة المشهد فترة من الزمان، إلا أن الظاهر أن تحالف أمراء النوبة مع السلطنة المملوكية ألد أعداء العربان، قد أعاد صولجان المملكة لأمراء النوبة، نكاية في العرب الذي استولوا على البلاد، و تغلغلوا فيها. و قد عقب عالم الآثار، و الخبير بالتاريخ النوبي د. أسامة عبد الرحمن النور على تلك الأحداث الخطيرة و التي وقعت في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الميلادي، و أدت في نهاية المطاف لأن تخبو جذوة بني كنز في منطقة دنقلة، فقال: "أما كون أولئك الحكام لم يعودوا من بني كنز فهو أمر بين وواضح للغاية. وتشير عودة الصراعات الأسرية بين الخال وابن أخته إلى أن التوريث عن طريق الأم قد أعيد إحياؤه، وهو أمر يكاد يستحيل في ظل نظام إسلامي." ا.هـ.
(انظر: مجلة الآثار السودانية (أركماني)، العدد الأول، أغسطس 2001، حلقة: رؤية مجددة في تاريخ كوش الثقافي – 10)

أما د. عوض أحمد حسين شبه، فإنه يعقب في كتابه الإسلام في دنقلا (ص30) على النهاية الدرامية لمملكة المقرة:
"و في نفس العام الذي تولى فيه برشمبو عرش دنقلا، ظهر على مسرح الأحداث السياسية في دنقلا بنو كنز الدولة و هم من عرب ربيعة الذين تصاهروا مع ملوك دنقلا، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ دنقلا و ذلك بتولي ملوك مسلمين من النوبيين المستعربين السلطة، و الذين استقلوا عن السلطة المملوكية في مصر، و لكنهم فشلوا في إدارة المملكة التي أخذت في التدهور و الاضمحلال".ا.هـ

و رغم ما أصاب بني كنز و حلفاءهم من نكبات و هزائم بمنطقة دنقلة، و اندحار جحافلهم منها، إلا أنهم لم يرتضوا التنازل عن حاضرتهم الأثيرة أسوان، فظلوا يكيلون الضربات للمماليك، و بالفعل استعادوها عام 1388م، و يقول د. عبد العظيم ميرغني إبراهيم في كتابه "الكنوز" (ص28):
"و لم تتمكن السلطات المملوكية بعد هذا التاريخ -1388م- من بسط سيطرتها الفعلية على إقليم أسوان الذي بقي ميدان نزاع مستمر بين المماليك و الكنوز خلال العقود الأخيرة من القرن الرابع عشر الميلادي و أوائل القرن الخامس عشر الميلادي، و لم يستطع المماليك خلالها من إحراز نتيجة حاسمة ضد الكنوز الذين رابضوا أسوداً شجعاناً في إقليم أسوان و شمال النوبة، يكافحون من أجل بقاء إمارتهم في تلك المنطقة بعد أن فقدوا ملكهم في دنقلا".ا.هـ.

والله غالب على أمره، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء.

  رد مع اقتباس
قديم 08-29-2012, 01:24 PM   #13
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()



الكُشْكُشاب (آل كُشْكُش) ملوك دنقلة:

لم تتكلم المصادر عن تاريخ دنقلا، منذ نهاية القرن الرابع عشر الميلادي، و بداية الخامس عشر، و ما تلا ذلك، بذات التفصيل في الفترات السابقة، و نحن بذلك نحاول تقفي ما تداولته الروايات المحلية في تاريخ تلك المنطقة و حكامها.

فعودة للحديث عن أسرة ملوك دنقلا (الكشكشاب)، فإنه ليس ثمة شك أنهم من ملوكها، و بحسب تصريح صاحب العينة، و غيره بموروثهم الذي هم عليه و يتداولونه بينهم و بين غيرهم، جيلاً بعد جيل، بأنهم من ذرية الملوك، و قد كان الملك حسن كشكش –أو حسن ولد كشكش كما ورد في طبقات ابن ضيف الله- آخر ملك متوج على عرش دنقلا، و بعده تولى زعامة دنقلة بعض الشيوخ، و نواب الدولة السنارية، ثم جاء على حكم الإقليم نواب الحكومة التركية المصرية التي ضمت السودان لدولة محمد علي باشا سنة 1821م، كما سنأتي على ذكر ذلك. و تقطن هذه الأسرة أساساً بلدة الغابة ريفي دنقلة، و لهم وجود في مدن أخرى كالخرطوم و مدني و غيرهما، و هي أسرة لا يتجاوز عدد رجالها 300 رجل تقريباً بحسب د. حسن عووضة كشكش.

و قد ذكرت الباحثة فاطمة أحمد علي في سفرها العظيم و الجامع، مروي المظهر و الجوهر (ص517)، ضمن تفصيلها عن الأسر القاطنة في بلدة الغابة بمنطقة دنقلا، فقالت: "أسرة الكشكشاب من ملوك دنقلا" ا.هـ.

و أقدم نص ذكر الملك حسن كشكش –أو حسن ولد كشكش- هو ما ورد في (طبقات الأولياء و الصالحين و العلماء و الشعراء في السودان) لمؤلفه محمد النور بن ضيف الله (المتوفى: 1224هـ / 1810م)، و هو أقدم كتاب مكتمل في السودان، فقد ورد في ترجمة الشيخ حلالي بن الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب (ص182-183):
" الشيخ حلالي بن الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب. وأمه بنت الملك حسن ولد كشكش ملك ضنقله، وتوفي أبوه وهو في حالة الصغر" ا.هـ.

و ورد ذكر الملك حسن كشكش مجدداً بذات المعنى السابق في سيرة الشيخ عووضة بن عمر شكال القارح الحضري (ص274-275)، الذي سنذكره لاحقاً إن شاء الله.

فأما السيد محمد الهادي عمر كشكش، و الذي وجدناه من أعلم الأسرة -إن لم يكن أعلمها- بتاريخهم و موروثهم، فقد حدثنا عن شيء من موروث هذه الأسرة الكريمة، و علمنا منه أن الملك حسن كشكش ينتسب للملك نُقُد الله نشلي، و أقر أنه هو ذاته عبد الله نشلي -أو عبد الله برشنبو- الذي تولى عرش النوبة عام 716هـ / 1316م، كما ذكرناه آنفاً، و هذا نقلاً عن كبار الأسرة الذين تداولوا هذا الأصل و حفظوه و ورثوه جيلاً تلو جيل.

و قد أعطانا السيد محمد الهادي كشكش فيما يخص جدهم الأكبر الملك نقد الله نشلي، معلومات هامة للغاية، تفيد في فهم معاني تلك الألقاب النوبية التي حملها الملك، مثل: نقد الله، و نشلي، و برشنبو، و هذه فرصة طيبة لإعطاء نبذة مقتضبة في اللغة النوبية، بحسب ما علمناه من السيد محمد الهادي كشكش، و الذي له إلمام باللغة النوبية الدنقلاوية.

يقول السيد محمد الهادي:
نُقُد (بضم النون و ضم القاف): تعني عبد، فيكون نقد الله بمعنى عبد الله.
نشلي: مكونة من مقطعين (نشي – Neshi ) و تعني قرن، و (لي – Li) و تعني صاحب، أي أن (نشلي) تعني ذو القرن، أو ذو القرنين، أو ذو القرون، إذ لا توجد صيغ للتثنية و الجمع في اللغة النوبية كما في العربية، و قد كان ملك النوبة يرتدي قلنسوة (طاقية) ذات قرنين، و هذا التقليد ورثه عنهم في عهد لاحق أمراء و ملوك بلاد السودان، و صارت الطاقية أم قرنين –كما يطلق عليها محلياً- عرفاً لتقليد الملوك و الأمراء، و رمزاً للسلطة و السيادة خلال الفترة السنارية (1504 – 1821م).
و عن هذا الزي الملوكي النوبي التقليدي يقول د. مسعد (ص86)، واصفاً إحدى الصور لأحد ملوك النوبة قائلاً: "و اتخذ هذا الملك في إقليمه إشارات خاصة و هي العمامة ذات القرنين و السوار الذهبي" ا.هـ.

أما لقب برشنبو -أو برشمبو بإقلاب النون الساكنة ميماً- فهو تحوير معرب لعبارة: (برسي اشوون سمون برو).
و عبارة (برسي اشوون سمون برو) عبارة مركبة، تتألف من الكلمات التالية:
برسي: تعني توأم.
أشوا: اسم أم عبد الله نشلي.
ون: أداة نسب لكلمة شوا.
سمون: هو الملك سمامون المذكور في قائمة الملوك أعلاه، و قد ذكره ابن خلدون في تاريخه بـ(بيتمامون)، و في مرات تكتب شمامون –بالشين بدلاً عن السين-، كما ذكره المؤرخ ضرار صالح ضرار مراراً في هجرة القبائل العربية إلى وادي النيل، و ماكمايكل في تاريخ العرب في السودان، و فانتيني في تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة، و يقول عون الشريف في موسوعته (3/1256): "شمامون: أحد حكام المقرة من النوبة في دنقلا". و مسألة قلب السين شيناً و العكس شائعة بين بعض اللغات، فـ(سلام) تنطق بالعبرية (شالوم - Shalom)، و (أشور) تنطق بالإنجليزية ( أسيريا - Assyria)، (أورشاليم) تنطق بالإنجليزية (جيروساليم - Jerusalem)، و غير ذلك من مصطلحات تحتوي سيناً قد تقلب شيناً و بالعكس.
فالملك سمامون أو شمامون قد حكم المقرة على ثلاث فترات –بحسب قائمة ملوك المقرة المذكورة آنفاً-، ابتداء من سنة 1286م، و انتهت آخر فترة سنة 1293م، و قد شهد عصره اضطراباً و حروباً أطاحت بحكمه عدة مرات، و أخبرنا السيد الهادي كشكش أن بعض أهله يذكرونه بـ(سيمون – Simon)، و الاسم العربي لسيمون هو (شمعون)، فكما نلاحظ هنا أيضاً استبدال السين بالشين.
برو: تعني بنت.

و العرب في مرات تحور الأسماء الأعجمية، فلوذريق أمير سبتة اسمه الأصلي رودريكو - Rodrigo، و هرقل ملك الروم، اسمه هيراكليوس - Heraclius، و الفرنجة هم بالأصل يدعون فرانكس – Franks.

يعني عندما نقول نقد الله نشلي: فهو عبد الله ذو القرن، نسبة للطاقية ذات القرن التي وضعها على رأسه بعد تنصيبه ملكاً على دنقلة.
و هو ذاته نقد الله برشنبو: أي عبد الله التوأم بن شوا بنت سمامون.

و دلالة كلمة (التوأم)، هي أنه كان لعبد الله برشنبو أخ توأم اسمه إدريس منلي، و هو ولي عهده، أي (أور صد) بالنوبية. و قد يكون اسم (منلي) صورة نوبية لاسم (إمانويل)، مثل إبرام (إبراهيم)، و قرقي (جورج)، و شكنده (اسكندر)، فقد ذكر د. فانتيني (ص118) "أن إحدى أكبر الكنائس في مدينة علوة كان اسمها منبلي، فربما كان تصحيفاً لعمانويل". أو إمانويل، و قد كان هذا الاسم شائعاً في الكتابات النوبية.
و قد تميزت الأسماء النوبية بأنها مركبة و تحتوي على ألقاب، و قد تتألف من اسمين، اسم أعجمي، و آخر من أصل نوبي، و يعدد فانتيني أمثلة لذلك (ص138): ستاوروسي، ييسوسيكودا، ابساياك، سلمونيكو، انجلوسكو، و غيرهم، و ظل هذا الأمر حتى بعد إسلام النوبة، فنجد أسماء مركبة من مقطعين، قد يكون أحدهما عربي و الآخر نوبي، و بعضهم لهم أسماء نوبية صرفة، مثل: باويسي، ادور، شنكو، كاتيكودا، كودنبس، مرانيا، نيوتي.

و كلمة (التوأم) هنا تلحق بصاحبها، و تتحول من صفة و لقب إلى اسم علم، و هذا هو واقع الأمر في أسماء كثير من السودانيين إلى يومنا هذا، إذ نجد بينهم اسم "التوم"، و يقول البروفيسور عون الشريف قاسم في قاموس اللهجة العامية السودانية (ص175):
"توم: توأم و هي أيضاً اسم علم تطلق على ولادة التوأمين فيسمى أحدهما التوم و الآخر التومة إن كانا ذكراً و أنثى". ا.هـ.

و في أحيان يسري هذا اللقب على أحد التوأمين إن توفي الآخر.

و يظهر أن للملك شمامون –سمامون- أخاً توأماً أيضاً، أطلق عليه (برسي)، و ذلك بدلالة نص ابن الفرات في خبر سفارة أخ الملك شمامون إلى السلطان المملوكي الأشرف خليل بن قلاوون، إذ نقل عنه فانتيني قوله (ص178): "أرسل شمامون أخاه المسمى بـ(البرسي) و حضره فارس الدولة جريس النوبي الذي كان رتب نائباً في بلاد الجبل و غيرها من تلك البلاد". ا.هـ.

فيبدو أن هذه العادة في تسمية (برسي) و (التوم) أصلها نوبي، و الله أعلم.

أما النسبة هنا فقد جاءت للأم، حيث أن النظام السائد في وراثة الملك يكون عن طريق تمليك ابن البنت، و ابن الأخت، و هذا ما أشار إليه ابن خلدون في تاريخه و غيره من المؤرخين. يقول د. مسعد في كتابه عن أبي صالح الأرمني (ص83): "إن عادتهم جارية بأنه إذا مات ملك و خلف ولداً و كان له ابن أخت فيملك بعد خاله دون ولد الملك، و إن لم يكن له ابن أخت يملك ولده بعده بلاد النوبة". ا.هـ.

و الحفيد بالنوبية (اسي - assi)، سواء كان ذكراً أو أنثى، أي مثل كلمة (nephew) بالإنجليزية و التي تعني ابن الأخ أو ابن الأخت، و أما (وسي – wassi) فتعني ابن الحفيد، أو ابن الحفيدة، فهنا قد يكون هذا التنوع الذي يحمله مصطلح (وسي) بجانب تقارب لفظه مع كلمة (اسي)، مولداً للبس، خصوصاً لمن لا يتقن اللغة النوبية، و هنا نتحدث عن المؤرخين العرب تحديداً الذين نقلوا أحداث المنطقة، و أخبار ملوك النوبة. و هذه ملاحظة هامة أبداها السيد الهادي، و عبر فيها إلى مدى الخلط الذي قد ينجم جراء عدم نقل المعاني اللغوية الصحيحة، و قلة الإلمام بالثقافة المحلية، و أيضاً نجد أن اللبس في النطق قد يؤدي لخلل في المعنى، فمثلاً (تنسي نتود – أي ابن الأخت)، و (أنسي نتود – أي ابن الأخ)، فلو سقطت التاء فسيولد ذلك خلطاً يؤدي لانقلاب المعنى، و قد ذكر د. مسعد أمثلة للتصحيف في الأسماء و اختلاف بعض المعاني نتيجة لسوء النقل أو تفسير المعلومة، فمثلاً نرى أن الملك شكندة يطلق عليه المقريزي اسم (مشكذ) على حين أن مفضل بن أبي الفضائل، يطلق عليه اسم (شكندة)، و قال إنه ابن عم الملك داود، و يطلق عليه ابن خلدون اسم (من تشكيل)، و في موضع آخر أنه (مرتشكين)، و يقول أن داود ابن أخيه، أما القلقشندي يطلق عليه اسم (مرقشنكز) و يقول إنه عم داود كذلك. (انظر د. مسعد: هامش ص147، هامش ص157). في حين نرى في قائمة الملوك التي وضعها د. مسعد لملوك المقرة، أن شكندة هذا ابن أخت داوود الأول، فيكون أيضاً ابن عمة داوود الثاني بن داوود الأول.
و يبدو أن اللبس في درجة القرابة ناتج عن أمرين، أولهما أنه يوجد اثنان من ملوك النوبة باسم داوود (داوود الأول، و داوود الثاني بن داوود الأول)، بحسب القائمة التي أوردها د. مسعد لملوك المقرة و قد اعتمدناها في هذا البحث، مما شكل خلطاً لتمييز درجة قرابة كلا الملكين بشكندة، الأمر الثاني هو ما بيناه من تفسير خاطئ للغة النوبية، و ربط المعنى الصحيح لدرجة القرابة بالملك المقصود، و نجزم أن هذين السببين أديا أيضاً لاضطراب قائمة ملوك المقرة، و التي تختلف الأسماء فيها من مؤرخ لآخر، بالإضافة لعدم وجود تسلسل واضح مؤرخ بالسنوات لفترة حكم كل ملك.
و قد ذكرت بعض المصادر العربية أن عبد الله نشلي –برشنبو- هو ابن أخت داوود، في حين أن لقب برشنبو في حد ذاته يعني ابن أشوا بنت شمامون (برسي أشوون سيمون برو) بحسب المعنى الموجود لدى آل كشكش، و هذا ما يعني ضمناً أن داوود هو ابن شمامون، و لدينا في قائمة ملوك المقرة اثنين ممن حملوا اسم (داوود)، و كلا الملكين حكما قبل شمامون: داوود الأول (1272-1273م)، داوود الثاني بن داوود الأول (1274- 1277م)، أما شمامون فحكم سنة 1286م، و من النادر أن يحكم الابن قبل أبيه، لذا فإن العلاقة التي ذكرها المؤرخون العرب (أي عبد الله برشنبو ابن أخت داوود)، لا نجد ما يفسرها إلا بافتراض أن يكون داوود هذا هو داوود الثاني، و أن يكون عماً لعبد الله برشنبو، و ليس خالاً له، ففسر رواة الأخبار كلمة (أنسي نتود – أي ابن الأخ) خطأ بأنها ابن أخت داوود، فيما هو ابن أخ داوود، و الذي نرجح أن يكون داوود الثاني، و الذي في عهده انقضى عهد دولة المقرة النوبية المستقلة، و اجتاحت جيوش المماليك دنقلة، و عُين شكنده –ابن أخت داوود الأول- ملكاً، و أسر في تلك الحرب آل الملك داوود الثاني، و منهم أمه و أخته و أخوه و غيرهم من حريم الملك و أقاربه، قبل أن يؤسر الملك نفسه و ابنه (انظر الخبر في فانتيني عن ابن الفرات عن ابن دقماق: ص168-169)، و قد غادرت الحملة المملوكية دنقلة في ذي الحجة من عام 674هـ إلى القاهرة مصطحبة معها عشرين أميراً نوبياً لضمان وفاء النوبيين بالتزاماتهم إزاء السلطنة المملوكية (انظر مسعد: 151). ثم صار ملوك النوبة دمى بيد سلاطين المماليك يولون من يشاؤون و يعزلون من يشاؤون.

و قد أخبر النويري في خبر ذكرناه سابقاً:
"فبرزوا –أي عسكر المماليك- من القاهرة مطلبين في يوم الاثنين الثالث والعشرين من شعبان من السنة -1316م-، وصحبتهم سيف الدين عبد الله برشنبوا النوبي، وهو ابن أخت داود ملك النوبة، وكان قد ربي في البيت السلطاني من جملة المماليك السلطانية، فرأى السلطان أن يقدمه في ذلك الوقت على أهل بلاده ويملكه عليهم". ا.هـ

عندها يمكننا الاستنتاج من خلال عبارة النويري عن عبد الله برشنبو: "وكان قد ربي في البيت السلطاني من جملة المماليك السلطانية"، أن عبد الله برشنبو غالباً ما يكون ممن وقعوا في الأسر ضمن العشرين أميراً، من آل الملك داوود الثاني، فعاش في قصر السلطان المملوكي، و اعتنق دين الإسلام. و قد يكون الملك داوود الثاني عمه، أو حتى أخاً غير شقيق لأمه (أشوا)، و غير ذلك من احتمالات، لا يمكن القطع بها، لعدم وجود نص يوضح تلك العلاقة، و حتى ما وجد من خلال النصوص العربية، فربما يكون قد اعتراها شيء من الخطأ في الترجمة أو النقل، و لكنه و بدون أي شك، فإن عبد الله برشنبو من البيت الملكي النوبي، و ذلك بنص بعض المؤرخين، و منهم ابن خلدون، إذ قال: "نزع من بيت ملوكهم رجل إلى مصر اسمه (نشلي)، وأسلم فحسن إسلامه، وأجرى له رزقاً وأقام عنده". ا.هـ.

و بحسب العرف في تنصيب ملوك النوبة، كما أخبرنا به السيد الهادي، فإن الأولوية في الملك تعطى لابن بنت الملك السابق أو أخته، و أن يكون والد المرشح للملك من البيت الملكي أيضاً، فهذا ما قد يكون عليه حال عبد الله برشنبو لما تولى الملك سنة 1316م، بعد حوالي 40 عاماً منذ أسره في غزو دنقلة سنة 1277م، قضى جلها إن لم يكن كلها في القصور السلطانية المملوكية في مصر.

و قد حدثنا صاحب العينة، د. حسن عووضة كشكش بأنه متوارث لديهم أن جدهم كان يلقب بـ(الناصر)، و قد أكد ذلك اللقب السيد الهادي كشكش أيضاً، و هذا هو اللقب الذي حمله الملك عبد الله نشلي (برشنبو)، لما أقيم ملكاً على المقرة، و الشاهد على هذا القول تلك اللوحة المثبتة في داخل المسجد العتيق بدنقلة، إذ كان المبنى عبارة عن قصر للملك، فحول عبد الله برشنبو الطابق الثاني إلى مسجد.

يقول الطيب محمد الطيب في كتابه المسيد (ص130):
"و بلغت القوة أوجها عندما تحول الحاكم النوبي (عبد الله برشمبو) من المسيحية إلى الإسلام فتبعته الخاصة و العامة و ينبغي أن أنبه أن دخول الإسلام في دنقلا كان في مطلع القرن الأول الهجري سنة 31هـ و دخول النوبة (حكام البلاد) في الإسلام في مطلع القرن التاسع الهجري 717هـ و دليلنا على ذلك الشاهد التاريخي المثبت في قصر النوبة المنيف بعاصمتهم (دنقلا العجوز) و كان قصراً مخصصاً لتنصيب الحاكم و به غرف كثيرة كل غرفة مخصصة لأمر من أمور الحاكم و بعد دخول الحاكم (الإسلام) حول غرفة في الطابق الأعلى متوسطة الحجم 12 x 6 متراًَ إلى مسجد ملحق بالقصر و عند محرابه وضع حجر رخامي مكتوب عليه: فتح هذا الباب المبارك للذكر على يد سيف الدين عبد الله الناصر بتاريخ 16 ربيع الأول 717هـ". ا.هـ

و يذكر فانتيني (ص183) ذات التاريخ لافتتاح المسجد، 16 ربيع سنة 717هـ، الموافق 29 مايو سنة 1317م.

و كذلك فإن كروفورد يقول في تاريخه عن مملكة سنار عما نقش في تلك اللوحة الأثرية:
This blessed door of religion was opened by the hands of Seif-el-Din Abdullahi el Nasir in the year 717 on the 16th of the month Rabia the first
ا.هـ.

بينما يذكر نعوم شقير في كتابه جغرافية و تاريخ السودان (ص360):
"و قال لبسيوس: و في دنقلة العجوز جامع قائم على خرائب كنيسة كبيرة و في واجهة الجامع حجر من الرخام مكتوب عليه بالعربية ما معناه: كان افتتاح دنقلة العجوز التي هي كرسي النوبة في 20 ربيع أول سنة 717هـ - 9 يونيو سنة 1318م و ذلك عن يد سيف الدين عبد الله الناصر". ا.هـ.

و نجد اجماعاً بين فانتيني و كروفورد و أيضاً الطيب محمد الطيب عما ورد في لوحة افتتاح مسجد دنقلة العتيق، و سنة افتتاحه، و الملك الذي على يده
افتتح المسجد.
و لا شك أن نقل نعوم شقير يحوي أخطاء، فقد رجحت الأبحاث أن المبنى المقصود لم يكن كنيسة، بل قصر الملك، و هذا ما أكده فانتيني (ص183) بقوله: "و اتضح من التنقيبات و الأبحاث التي أجريت حديثاً في هذا المسجد سنة 1974م و سنة 1975م أن المبنى كان قصراً ملكياً في الأصل و أن الملك عبد الله برشنبو حول قاعة واحدة منه في الطابق الثاني إلى مسجد. و لم يكن المبنى فيما قبل كنيسة حولت إلى مسجد بخلاف ما كان العلماء يظنون قبل إجراء هذا التنقيب". ا.هـ.
كما أن التاريخ الصحيح لافتتاح المسجد كان في 16 من ربيع الأول عام 717 هـ و هو ما يوافق 29 من مايو عام 1317م، تقريباً، و ليس كما ذكر نعوم شقير.







لوحة افتتاح مسجد دنقلا القديم


صورة عامة لمسجد دنقلا العتيق، و الذي كان قصر ملك النوبة



جانب من المسجد



صورة من داخل المسجد


  رد مع اقتباس
قديم 08-29-2012, 01:25 PM   #14
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()


مقطع فيديو من داخل المسجد – قصر الملك سابقاً (باللغة البولندية)
  رد مع اقتباس
قديم 08-29-2012, 01:27 PM   #15
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()

و حدثنا السيد محمد الهادي كشكش عن بعض الأحداث الهامة، و التي لن نجد لها ذكراً في كتب التاريخ، فهي أحداث وقعت لأجدادهم و أسلافهم، حفظوها و تناقلوها عبر الأجيال، إذ أفادنا بأنه بعد مقتل نقد الله نشلي (عبد الله برشنبو) في منطقة الخندق (حوالي 50 كم شمال عاصمته دنقلة)، في الحرب التي دارت بينه و بين كنز الدولة محمد بن شجاع الدين و أنصاره، و بعد تربع كنز الدولة على عرش النوبة بمعاونة حلفائه من العرب، فقد لجأ –ذوو الملك المقتول و أنصاره- إلي واحات الصحراء، الواقعة غرب دنقلة، و مكثوا هناك فترة من الزمان، و حتى أنهم تزوجوا من البربر هناك، ثم لاحقاً عادوا إلى دنقلة، و كانت تلك العودة على الأرجح في القرن الخامس عشر الميلادي (1400).

و تعليقنا على هذه الرواية أنها لافتة للاهتمام، و تحمل دلالة على الصلة التي كانت تجمع النوبة سكان النيل بالمناطق الواقعة غربيه، و التي تعتبر امتداداً للصحراء الليبية، فإن آراء و دراسات عديدة تبين صلة وطيدة بين بعض سكان الجبال بكردفان و دارفور غرب السودان –كنوبة جبال الحرازة و الميدوب-، و بين نوبة النيل –كالدناقلة و المحس-، و تذكر روايات نقلها أكثر من مؤرخ أن بعض القبائل المحلية بالغرب تزعم أنها أتت من جهة الشرق، و ربما كان ذلك هرباً من الحروب و النزاعات.

و نجد مثل تلك الآراء عند هارولد ماكمايكل صاحب كتاب History of Arabs in the Sudan، إذ يقول (1/28):
Now it is certain that in past centuries Danagla from the Nile have settled at el Haraza, and fresh colonies have joined the older ones within recent years. It is also believed by the people of Gebel Midob in Darfur, about 140 miles west of the Wadi el Melik, that their ancestors were Mahass and Danagla from the Nile, and, as Professor Seligman has pointed out, there are very close linguistic resemblances between a list of their numerals which I collected in 1912 and those of the Barabra on the river.

و معنى النص السابق أنه: "من المؤكد أن دناقلة في القرون الماضية من نهر النيل قد استقروا في الحرازة (في كردفان)، ومستعمرات جديدة نشأت و انضمت إلى القديمة في السنوات اللاحقة.
كما يعتقد سكان جبل ميدوب في دارفور، الواقع على بعد حوالي 140 ميلاً إلى الغرب من وادي الملك –الذي يصب في النيل عند منطقة الدبة جنوبي دنقلة-، أن أسلافهم كانوا من المحس و الدناقلة القاطنين على نهر النيل، و كما أشار البروفيسور سليغمان إلى أن هناك تشابهاً لغوياً وثيقاً جداً بين قائمة من الأرقام الخاصة بهم والتي جمعها ماكمايكل عام 1912م، وتلك التابعة للبرابرة على النهر".

و البرابرة الذين يعنيهم ماكمايكل هو مسمى قديم كان يطلق على النوبة من فاديجا و دناقلة و عموم النوبة. و هذا ما ورد في نص الواقدي لما وصل كتاب من الملكة أرمنوسة إلى المقوقس –والي مصر- بتوجه العرب نحو مصر، فطلبت منه النجدة لصد غزو العرب المسلمين، فلما "وصل الرسول إلى الملك –أي المقوقس والي مصر- خدم و سلم و ناوله الكتاب،، فلما علم (الوالي) ما فيه دعا بأرباب دولته و قال لهم: قد تم من الأمر كذا و كذا، فما تشيرون به؟ قالوا: أيها الملك: أنجدها و انصرها. و نفذ لها جيشاً. ثم قالوا: ابعث كتبك إلى أطراف البلاد مع رسلك و اطلب منهم النجدة، فهم يسيرون الجيوش، منهم ملك البجة و ملك البرابر –و هم النوبة". ا.هـ. (انظر فانتيني، تاريخ المسيحية في الممالك النوبية: ص62)

و يذكر البروفيسور عون الشريف قاسم في موسوعة القبائل و الأنساب (1/256):
"بربر و برابرة: اسم حامي قديم الأصل أطلق قديماً على سكان شمال إفريقيا الأصليين (البربر)، و يطلق اسم البرابرة في السودان على السكان القدامى في شمال السودان شمال دنقلا الذين يعرفون بالنوبيين و يتحدثون النوبية واحدهم بربري، و الاسم شائع في مصر أيضاً". ا.هـ.

و هنا نلحظ التشابه بين مسمى (بربر) المعروفين بالأمازيغ، و (برابرة) الذي يطلق على النوبة، فلسنا على يقين إن كان ذلك التشابه في التسمية جاء مصادفة، أم لتاريخ أو عناصر مشتركة، أم غير ذلك، لاسيما و قد أشارت دراسات لعلاقة قديمة تجمع سكان النيل بأهل الصحراء غرب النيل. و لعلنا نجد ذات الملاحظة عند الأستاذ د. بركات موسى الحواتي، إذ قال في مقالته (إنسان الرقعة):
"ويشير المؤرخون كذلك مثل بروكوبيوس "545م" وغيره من الباحثين السريان إلى مجموعة أخرى، استقرت في الرقعة –النوبية-، دخلتها من واحات شمال أفريقيا، بالتحديد من الواحة الخارجة، عرفت باسم النوباط عندما قام الإمبراطور الروماني دقلد يانوس "204 ـ 305م" بتهجيرها من موطنها من الواحات الغربية "الخارجة" لتسكن في المنطقة الواقعة جنوب الشلال الأول، لتكون حاجزاً بشرياً يؤمن حدود مصر الجنوبية، ضد غزوات البجة المتكررة، ولعل مما يرجح ذلك أن لغة "الفاديجا" تكاد تطابق لغة الجوشان والشلح وجزر الخالدان في شمال إفريقيا، ويبدو في اسم "البرابرة" الذي يطلق على الفاديجا بصورة خاصة، ما يشير إلى ذلك الواقع القديم ليتيح ذلك الاستطراد، إمكان استنتاج أن النوبة المعاصرين نتاج للنوباي و النوباط، بسيطرة سياسية وعسكرية من هؤلاء الأخيرين." ا.هـ.
(انظر: مقالة "إنسان الرقعة" - دراسات في الذاتية السودانية، د. بركات موسى الحواتي)

و لقد كان ممن مر بالمنطقة الرحالة العثماني التركي أوليا جلبي عام 1672م، و وصف شيئاً من رحلته، و كان مما دونه، بعض مشاهداته في (بربرستان) و التي هي تسميته لبلاد النوبة، و في ذلك يقول أوليا جلبي في رحلته (سياحت نامه) (1/117):
"دولة ملك بربرستان:
و يسمون مدنهم دنقلة و هي مدينة في حجم البلدة على ساحل النيل، و هم جميعاً سمر البشرة إلا أنهم في غاية الجمال، و ليس لهم سكة، و لكن يذكرون في الخطبة الملك إدريس و الملك حمد و الملك حسن". ا.هـ.

و هكذا نجد الرحالة أوليا جلبي يطلق على بلاد النوبة مسمى بربرستان، و على سكانها البربر أو البرابرة في مواضع عدة من كتابه القيم (سياحت نامه).

من خلال السطور القليلة الفائتة، نستنتج أنه وجدت علاقة قديمة بين نوبة النيل، و بعض سكان واحات الصحراء غرب النيل، تمثلت في نزوح نوبة النيل باتجاه الصحراء غرب دنقلة في حالات الحرب، و من جانب آخر، فقد وجدت علاقة أقدم تمثلت في أن أصل قسم كبير من النوبة سكان النيل إنما يرجع للمناطق غربي النيل، فهي إذن علاقة ذات اتجاهين تمتد منذ أقدم العصور و حتى نهاية الممالك النوبية على النيل.

و نعود مرة أخرى لمسألة أن الجهات الغربية من دنقلة كانت ملجأً للحكام و غيرهم من النوبة في حالات الهزيمة و التراجع –كما هو الحال مع آل الملك نقد الله نشلي-، فإننا نجد فانتيني في كتابه ينقل عن ابن الفرات الذي نقل عن ابن دقماق، بعض الأحداث المفصلية إثر أول تدخل عسكري من طرف المماليك في بلاد النوبة سنة 1277م، أدى لخلع الملك داوود الثاني ملك المقرة، و تنصيب شكندة مكانه، و هذه أول مرة ينصب ملك مقري من قبل قوة خارجية، و أدى ذلك لسلسلة من التدخلات المملوكية في الشؤون المقرية، يذكر فانتيني (ص168):
"و أما ما كان من أمر الملك داود فقال الأمير صارم الدين الشهير بابن دقماق ما معناه أن الملك داود الثاني لما انهزم من الأمراء قطع البحر إلى البر الغربي و هو قد هرب أثناء الليل إلى بعض الحصون. فبلغ خبره الأمير عز الدين الأفرم و الأمير شمس الدين الفارقاني فركبا في من كان معهما و ساروا في طلبه ثلاثة أيام و هم مجدون الليل و النهار". ا.هـ.

و يورد ماكمايكل خبراً آخر يدلل على تكرار لجوء أمراء النوبة للغرب، و هذه المرة بما وقع في الحرب التي شنها السلطان المملوكي خليل بن قلاوون سنة 1289م، على الملك شمامون –أو سمامون- و تابعه الأمير آني، و انسحاب الأخير إلى جهة يرجح أنها جبل الحرازة بكردفان، يقول ماكمايكل (1/185):
In any case Any escaped, two days before the arrival of the troops, to the stronghold of the 'Anag, which was very likely Gebel el Haraza, and Shamamun was replaced by a king called Boudemma, who had previously been in prison in Egypt.

و تذكر الفقرة السابقة أن " آني هرب قبل يومين من وصول القوات –المملوكية-، إلى معقل الأنج –أو العنج-، والذي من المحتمل جداً أن يكون جبل الحرازة -في شمال كردفان-، و تم استبدال الملك شمامون بملك آخر اسمه بدمة".

و الأنج أو العنج هنا هم أحد أجناس بلاد النوبة القديمة، يقال أنهم أهل مملكة علوة النوبية، جنوبي مملكة المقرة (انظر خريطة مملكتي المقرة و علوة النوبيتين بداية هذا الموضوع)، و يذكر د. مسعد -نقلاً عن آركل- (هامش ص161) أن "اسم الأنج يطلق على سكان شمال كردفان الذين قطنوا هذا الإقليم قبل مجيء العرب إليه و ربما أطلق على المرويين. و هي في لغة الطوارق: (telanag) –تِل أَنَج-، أي ناس الشرق لأنهم أتوا من النيل". فإن صح الزعم بأن هذا الاسم ذو صلة بلغة الطوارق –المعدودين ضمن فصائل البربر-، فإن ذلك يضيف مزيداً من التأكيد على الصلة القديمة بين النوبة و سكان الصحراء الكبرى و شمالها من مجموعات البربر.

  رد مع اقتباس
قديم 08-29-2012, 01:29 PM   #16
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()

و كما أسلفنا الذكر سابقاً، فمن أحفاد الملك نقد الله نشلي، بزغ نجم الملك حسن الملقب بكشكش -أو حسن ولد كشكش كما ورد في طبقات الأولياء و الصالحين لابن ضيف الله-، و الذي اعتلى عرش الملك في دنقلة في فترة شهدت فيه المنطقة العديد من الأحداث المهمة، و أهمها سقوط آخر ممالك النصرانية النوبية (مملكة علوة)، و قيام السلطنة السنارية، عام 910هـ / 1504م، و تدفق جموع قبائل العرب من كل حدب و صوب نحو براري و ربوع بلاد النوبة، و تحول هوية البلاد من النوبية النصرانية إلى العربية الإسلامية.

و الملك حسن كشكش هو ابن نقد الله بن أنباس، سليل الملك نقد الله نشلي برسي اشوون سمون برو (عبد الله نشلي برشنبو)، أما أمه فهي فاطمة بنت كنديل، و كان كنديل –أو قنديل- هذا أحد ملوك دنقلة، و آل كنديل –قنديل- معدودون من البيت الملكي الدنقلاوي.
و قد ورد شيء من سيرة أحد آل قنديل بطبقات الأولياء و الصالحين لابن ضيف الله، في دلالة على أنهم كانوا من البيوتات الرئيسة في دنقلا، و ذلك في ترجمة الشيخ عووضة بن عمر شكال القارح الحضري الذي عاش في القرن السابع عشر الميلادي تقريباً (1600)، و هو أحد تلاميذ الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب –زوج بنت الملك حسن كشكش-، فقد ذكر ابن ضيف الله ما معناه (ص273): "أن ولد عجيب أرسل رسلاً لعزل ولد قنديل شيخ دنقلا من الدولة، فشكا ولد قنديل ذلك للشيخ عووضة".
و (ولد عجيب) لقب يطلق على الشيوخ من ذرية الشيخ عجيب بن عبد الله، و الذين كانت المنطقة الشمالية من الدولة السنارية تحت نفوذهم.

كما أنه ورد في رحلة الرحالة الفرنسي بونيسيه إلى السودان عام (1698-1699م) زعيم اسمه الشيخ قنديل، و ذكره المؤرخ مكي شبيكة في كتابه السودان عبر القرون (ص75) نقلاً عن رحلة بونيسيه: "و عندما غادروا دنقلا يذكرون زعيماً يدعى الشيخ قنديل بالقرب من كورتي، و كالعادة دعاهم لمائدته". ا.هـ.
و كورتي مدينة جنوبي دنقلة العجوز.

فبذلك ورث حسن كشكش الملك عن طريق قاعدة توريث ابن البنت، كما هي العادة عند ملوك النوبة، بالإضافة إلى أنه كان حفيداً للملك نقد الله نشلي عن طريق الأب، فيكون من بيت المُلْك أماً و أباً.
و بحسب التقليد الملكي القديم الذي أخبرنا به السيد الهادي، فإن الأولوية تعطى لمن كانت أمه بنت الملك أو أخته أو بنت أخ الملك بالإضافة أن يكون أباه فرداً من البيت الملكي أيضاً، ثم تأتي الأولوية لاحقاً لمن هو ابن بنت الملك، و أبوه من خارج البيت الملكي.

و قد كان سلطان الملك حسن كشكش يمتد من كلينكول جنوباً إلى كدكول شمالاً، بحسب إفادة السيد الهادي كشكش.

و مما ورد في سيرته ما ذكره د. عوض شبه في كتابه الإسلام في دنقلا (ص40)، في خبر تلك الوقيعة التي حصلت بين الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب، و الملك حسن كشكش، نتيجة لوشاية بعض المقربين من الملك، فبعد أن شكوه للملك حسن كشكش "نفاه إلى جزيرة بدين، و عندما تعرضت المنطقة إلى المجاعة طلب منه السكان إرجاع سوار الذهب لاعتقادهم في صلاحه و كراماته، فعفا عنه و زوجه إحدى بناته و أنجب منها ابنه الأصغر حلالي المشهور بساتي حلالي". ا.هـ.

و قد علمنا من السيد الهادي كشكش أن ابنة الملك حسن كشكش التي تزوجها الشيخ محمد سوار الذهب اسمها عابدة.
و للملك حسن من الأبناء غير عابدة: أرقية (رقية)، و فاطمة، و ساتي محمد.

و لمعرفة الفترة الزمنية التي عاش فيها الملك حسن كشكش، علينا بتتبع سير أشهر الأعلام المعاصرين له، إذ لا يوجد شيء مدون يسرد تاريخ المنطقة بشكل مفصل، مع تبيان للأعوام و الأشهر، و نجد في كتاب طبقات الأولياء لابن ضيف الله أحد أهم الموارد في هذا الصدد.

إن ممن عاصروا الملك حسن كشكش، الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب (جد آل سوار الذهب في السودان)، و هو الذي تزوج ابنة الملك حسن كشكش، و أنجب منها ابنه ساتي حلالي، كما ذكرنا آنفاً. و حدثنا السيد الهادي كشكش بأن الملك حسن كشكش توفي قبل صهره الشيخ محمد سوار الذهب، و هذه معلومة مهمة تفيدنا في تقدير الفترة التي عاش فيها الملك حسن كشكش.

كما أخبرنا السيد الهادي كشكش، بأن الشيخ ساتي حلالي بن محمد بن عيسى سوار الذهب، كان مرشحاً لأن يرث تخت الملك من جده لأمه –بحسب التقاليد النوبية و الأعراف الملكية القديمة-، بالرغم من وجود ابن للملك حسن كشكش و هو ساتي محمد، لكن العرف الملكي يقضي بأن يؤول الملك لابن البنت، فانتقلت الزعامة إليه بحكم أنه ابن بنت الملك، و (ساتي) باللغة النوبية تعني (سيد)، و يعطى هذا اللقب لشيخ الدين فقط، و كان يحمله شيوخ الدين في دنقلة، بدءاً بالشيخ محمد سوار الذهب و أبنائه، و الجدير بالذكر أن لقب (ساتي) لا يزال سارياً و معروفاً عند الدناقلة إلى يومنا هذا.
و نبقى مع رواية السيد الهادي كشكش، إذ يقول أن خليفة الملك حسن كشكش، ساتي حلالي لم يرد تلك الأبهة التي ازدان بها ملك النوبة، بل إنه رفض أن يتوج بحسب التقليد النوبي، احتراماً لمقام والده، و يبدو أن ذلك مرده تجنب بعض المظاهر التي قد لا توافق الشرع الإسلامي، باعتباره عالماً بالشرع الحنيف، و كان يتميز شيوخ الدين بالعلم دون عامة الأهالي، إذ أن الدين الإسلامي و أحكامه لم تكن مترسخة بعد لدى عامة سكان بلاد النوبة، و نظراً للمكانة الدينية لآل سوار الذهب الذين اشتهروا بعد ذلك في المنطقة فإنهم قد تصدروا المشهد الديني و الاجتماعي و القضائي لمنطقة دنقلة عامة، بل إن ملوك سنار قد قربوهم و أكرموهم مراعاة لتلك المنزلة الدينية الرفيعة التي كان يكن لها ملوك الدولة السنارية كل تقدير و احترام.

و قد أعطى الشيخ محمد النور بن ضيف الله في طبقاته، إشارة لما وصله الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب و آله من احترام و تقدير عال بين ملوك الدولة السنارية في ذلك الوقت، و فجاء ذلك دليلاً و تأكيداً لما سبقت الإشارة إليه و نقلاً عن السيد الهادي كشكش، بأن شيوخاً تولوا الزعامة في دنقلا بعد الملك حسن كشكش، الذي يعتبر آخر ملك متوج في دنقلا، و لو أن تلك الزعامة التي نقصدها كانت ذات طابع مختلف نسبياً عن سابقتها، حيث أنها زعامة ذات طابع ديني على دنقلا العجوز، وليست سياسية تماماً.

يذكر ابن ضيف الله (ص347) أن الشيخ محمد سوار الذهب "أطاعته الفُنْج و ملوك جَعَل و المك بادي ولد رباط". و الملك بادي بن رباط الملقب بـ(أبي ذقن) كان أحد ملوك الدولة السنارية حكم في الفترة (1642 – 1677م) (تاريخ السودان لنعوم شقير: 392).

حدثنا السيد الهادي كشكش بأن الملك أبو سكيكين أعطى ختم الدولة لمحمد بن عيسى سوار الذهب، في اعتراف منهم برتبة الشيخ محمد في منطقة دنقلة.
و نحن لسنا متأكدين من مغزى تلك الإفادة، و ما إذا كان ذلك في حال وقوعه تعبيراً عن تقدير و إكرام، أم أنه إقرار بنيابة الشيخ محمد سوار الذهب عن ملك سنار في منطقة دنقلا، و كيف تبدى ذلك التمثيل، سواء أكان قضائياً أو سياسياً أو دينياً. و الواقع أن قصة إعطاء الختم التي ذكرها السيد الهادي كشكش تقارب قصة أخرى مذكورة بطبقات ابن ضيف الله، مع اختلاف طفيف، و قد حدثت في عهد الملك بادي بن رباط، و ليس في عهد الملك أبو سكيكين و الذي اسمه الملك عمارة أبو سكيكين أو أبو سكاكين الذي حكم (1555-1563م).
جاء في طبقات ابن ضيف الله في ترجمة الشيخ محمد سوار الذهب (ص347):
"كتب –أي الملك بادي بن رباط- له خاتم: "جميع اليقرا-الذين يقرؤوا- على الشيخ محمد فهو جاه لله و لرسوله دارهم و رقابهم". فهذا الأمر مستمر إلى زماننا هذا". ا.هـ.
و ورد ذات الخبر أيضاً في ترجمة حفيده الشيخ زيادة بن النور بن الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب، (ص217):
"إن المك بادي بن رباط جَوَّه –يعني أعطى الجاه- للشيخ محمد بن عيسى، جميع من يتعلم عليه العلم و يحفظ عليه القرآن، فهو جاه الله و رسوله للشيخ محمد، فزاد خاتم الجاه: فإن الضناقلة رقبتهم و دارهم عليها عظم السلطة –السلطنة-". ا.هـ.
و الجاه المذكور هنا من القدر و الشرف و علو المنزلة، و في ذلك يقول عون الشريف قاسم في قاموس اللهجة العامية في السودان (ص226):
"و الجاه في أيام الفونج وثيقة يصدرها السلطان يقطع بها الفقيه أو غيره أرضاً أو يمنحه مالاً، جمعها أجواه، و ترد كثيراً في كتاب الطبقات لابن ضيف الله، (جَوّه له الدار) أي أعطاه وثيقة تحدد جهاتها. و يرد في وثائق الأرض قولهم (و لا يتعرض لهم أحد في جاههم)." ا.هـ.

فيظهر من خلال النصين المقتبسين عن الطبقات، و الذي يوضح أمر الامتياز المعطى للشيخ محمد بن عيسى، و حق أعطاء الجاه كذلك لكل من يتعلم على الشيخ محمد بن عيسى، إكراماً لمكانة الشيخ محمد و تلاميذه و أتباعه.

و في أصل لقب (سوار الذهب)، فإنه وردت رواية أسطورية بشجرة عائلة الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب (ص7)، ملخصها: أن سواراً ذهبياً كان لأحد زوجات الشيخ محمد بن عيسى، و صار عند الشيخ محمد، فلقب بالشيخ محمد سوار الذهب".
و نظن أن هذه الزوجة هي في حقيقة الأمر بنت الملك حسن كشكش، و ربما وصل السوار الذهبي للشيخ محمد بن عيسى عن طريق زوجته.

و كما ذكرنا آنفاً، فإن السوار الذهبي يعد أحد شارات المُلْك في بلاد النوبة، و كما ورد في كتاب الإسلام و النوبة لمسعد (ص86)، في وصف صورة لأحد ملوك النوبة:
"و اتخذ هذا الملك في إقليمه إشارات خاصة و هي العمامة ذات القرنين و السوار الذهبي". ا.هـ.
و ورد توصيف لصورة أخرى في ذات المصدر و الصفحة:
"و تمثل الصورة الأخرى صاحب الجبل لابساً سواراً في كلا ذراعيه لا تختلف كثيراً عن الأولى". ا.هـ.
و يقول د. مسعد في أصل هذه العادة بهامش الصفحة:
"تعتبر عادة لبس السوار الذهبي مظهراً من مظاهر السلطة، و هي عادة مأخوذة عن ملوك مروي الذين تبدو صورهم و أذرعهم مضمومة و تحمل أساور ضخمة على جدران معبد النقعة قرب كبوشية و كذلك أهرام مروي، و هي تمثل ملوك مروي". ا.هـ.

و (سوار الذهب) يقابله باللغة النوبية (سرنوب)، فـ(سر) تعني (سوار)، و (نوب) تعني (ذهب)، و لا يزال اسم سرنوب متواجداً في منطقة جبال النوبة بجنوب كردفان -و منهم الوزير السابق حبيب سرنوب-، في دلالة على منزلة و رمزية السوار الذهبي في التقاليد الملوكية النوبية.

فنستطيع من خلال العرض السابق بخصوص الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب، أن نستشف أنه كان بالفعل سيداً في دنقلا، في القرن السابع عشر الميلادي (1600)، بعد وفاة الملك السابق و صهره الملك حسن كشكش. فتكون زعامة دنقلا قد انتقلت بعد وفاة الملك حسن كشكش إلى بعض الشيوخ، مما يوافق ما ذكره لنا السيد الهادي كشكش، و يظهر لنا أن أغلبهم كانوا شيوخ دين محليين. و كما أشرنا آنفاً، فإن أغلب اعتقادنا أن هذه الزعامة، قد مارسها آل سوار الذهب على شكل سلطات قضائية و دينية، دون أن تكون سياسية بالمعنى الذي كانت عليه في الفترات السابقة، كتولية الولاة، و حشد الجيوش، إذ لم يكن لمنطقة دنقلا العجوز كيان سياسي يجمعها، بل يتواجد بعض نواب السلطة السنارية المركزية، الذين تولوا مهمة جمع الضرائب و إرسالها للمركز، بالإضافة لتولي المهام العسكرية و تأمين الثغور أمام التهديدات الخارجية، و من تلك الأسر الشهيرة آل فرح الذين كانوا نواباً لملوك سنار على دنقلا، أعقبهم في العهد التركي المصري آل حمور أغا بن ناصر الذي عينه الأتراك كاشفاً (انظر: الحموراب – د. العباس عبد العال حمور: 13).
و مما ورد في الطبقات، أن القضاة على دنقلة من آل سوار الذهب كانوا: الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب، و الشيخ ساتي حلالي بن محمد سوار الذهب، و الشيخ زيادة بن النور بن محمد سوار الذهب، و في ترجمة الشيخ زيادة بن النور بن محمد سوار الذهب، يقول ابن ضيف الله (ص217): "فإن خلفاء الشيخ اثنان: الكبير موقد نار العلم و عنده القضاء". ا.هـ. مما يؤكد بجلاء أن منصب القضاء في دنقلة كان في آل سوار الذهب. و أضاف السيد الهادي أن ساتي حمد بن زيادة بن النور بن محمد بن عيسى سوار الذهب كان آخر أولئك الزعماء من آل سوار الذهب عندما سقطت دنقلا بيد الشايقية.

يقول نعوم شقير في تاريخ السودان (ص428)، عند حديثه عن مملكة دنقلة العجوز أن "مؤسسها هو جد مرغني ود سوار الذهب الذي اشتهر في تاريخ الثورة المهدية". ا.هـ
و يقول عون الشريف قاسم في موسوعته، مادة دنقلا، (2/889): "و كانت بدنقلا العجوز مملكة ملوكها آل سوار الذهب، آل مرغني سوار الذهب، خربها الشايقية قبيل الفتح التركي". ا.هـ.
و كلا النصين الأخيرين يؤكدان صحة المعلومة المتوارثة لدى آل كشكش بأن الملك حسن كان آخر من توج ملكاً على طراز أسلافه، و أعقبه بيت آخر من غير السلالة الملكية الحاكمة، يتمثل في آل سوار الذهب، و قد انحصرت زعامتها في منطقة دنقلا التاريخية –المسماة بالعجوز-، إذ أن مملكة المقرة النوبية العتيقة قد اضمحلت و تفككت، و صارت كل مدينة مملكة مستقلة بذاتها، كمملكة دنقلا العجوز، و مملكة الخندق، و مملكة الخناق، و مملكة أرقو، و مملكة الدفار.

جاء في طبقات الأولياء و الصالحين لابن ضيف الله في ترجمة الشيخ عووضة بن عمر شكال القارح الحضري، تلميذ الشيخ محمد بن عيسى (ص274-275):
"أن الشيخ محمد بن عيسى لما دنع الوفاة، قالت زوجته بنت الملك حسن ولد كشكش ملك ضنقله أم حلالي ولده: أولادك الكبار أرشدتهم، أنا مَنْ لِيه؟ قال لها : عليك بالحضري. جاءته و جابت أسورتها و حجولها، وقالت له : بَدُورَك –أريدك- تَقَعِّدْ وِلِيدِي في مكان أبوه، فقال –الشيخ عووضة- له: وِلِيد شيخي، أقعد فوق سجادتي، فقعد. فقام حام بالخلوة، ثم جاء برك في وجهه، فأخذ يده فقبلها، و قال: قَعَّدْتَك في مكان أبوك. فإن حلالي حظي عند الفنج والعرب حظاً وافراً، و ولي القضاء وتدريس جميع فنون العلم." ا.هـ.

نفهم من النص المقتبس أعلاه أن الأسورة –و التي هي شارة الملك التي ذكرناها سابقاً-، مع الحجول –التي أفادنا السيد الهادي أنها إحدى الشارات الملكية أيضاً- قد حملتهما عابدة بنت الملك حسن كشكش إلى الشيخ عووضة تلميذ زوجها، و وظفتها لتقنع الشيخ عووضة، بأن ابنها حلالي بن الشيخ محمد بن عيسى هو الوريث الشرعي لمكان أبيه، و يبدو أنه كان صبياً صغيراً في ذلك الوقت، بدلالة أن ابن ضيف الله ذكر في ترجمة الشيخ حلالي (ص182-183):
" الشيخ حلالي بن الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب. وأمه بنت الملك حسن ولد كشكش ملك ضنقله، وتوفي أبوه وهو في حالة الصغر" ا.هـ.

و أيضاً فإن قول أم حلالي عابدة بنت حسن كشكش: "بدورك تَقَعِّدْ وِلِيدِي في مكان أبوه"، و قول الشيخ عووضة: "وِلِيد شيخي، اقعد فوق سجادتي"، فإن لفظة (وِلِيد)، و التي هي تصغير لـ(ولد)، تفيد بأن حلالي كان صغير السن، و ربما لم يتجاوز عامه العاشر أو الخامس عشر كحد أقصى.

و يبدو أنه بعد وفاة الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب، فقد كان الشيخ عووضة بن عمر شكال القارح وصياً على زعامة دنقلا، أو على الأقل أنه كان معظماً من الأهالي، بالرغم من أن الشيخ عووضة ليس من البيت الملكي، و لا من بيت آل سوار الذهب، إنما هو من مجموعة الحضور الذين وفدوا على دنقلا، بدلالة ما ورد عن استغاثة أهالي دنقلا بالشيخ عووضة لما وردت الأخبار بغزو أحد شيوخ أولاد عجيب القائمين بأمر شمال الدولة السنارية، و هو الشيخ مسمار بن عريبي بن عجيب بن عبد الله عام 1070هـ / 1660م، (انظر سيرته في كتاب الشيخ عجيب و الدولة الإسلامية في سنار، د. صلاح محي الدين محمد، ص82)، فجاء في طبقات ابن ضيف الله (ص277):
"و إن مسمار ولد عريبي في سفره إلى ضنقله سنة سبعين بعد الألف، خرب المراتب و كسر الأجواه. فاستغاثت به –أي الشيخ عووضة- الناس و قال لهم: خرابه على يد الرجل الأصفر القصير الأصلع. أما أنا ضامن لكم شيخ قَرِّي ما يجي في ضنقله".ا.هـ.

إذن، نستدل مما سبق، أن فترة حياة الملك حسن كشكش تكون في الفترة ما بين القرن السادس عشر (1500)، إلى حوالي منتصف القرن السابع عشر (1600) كأقصى تقدير، و في القرن الأخير كان الشيخ محمد بن عيسى سوار الذهب سيداً و شيخاً في دنقلة بدلالة النصوص التي سقناها، تلاه ابنه الشيخ (ساتي) حلالي بن محمد، و ربما كان هناك أوصياء عليه فترة صغر سنه، كالشيخ عووضة تلميذ الشيخ محمد بن عيسى، أو ولد قنديل الذي شارف أحد الشيوخ أولاد عجيب على عزله من شياخة دنقلا، و لكن لسنا موقنين متى بالضبط بدأت تلك الزعامة لآل سوار الذهب، و تسلسلها، و تفاصيلها، لانعدام المصادر الموثقة لتلك الفترة.

بقي أن نذكر أن زعامات الدناقلة قد احتفظت بنوع من الاستقلالية، مع ولاء للتاج السناري، إلى أن شق جيرانهم الجنوبيون الشايقية عصا الطاعة، و استقلت ممالكهم عن الدولة السنارية، فقاموا بالإغارة على جيرانهم، بمن فيهم الدناقلة، و أكثروا من الغزو على من حولهم من القبائل، فقد أقضوا مضاجع البديرية الذين دمرت عاصمتهم على يد الملك الشايقي شاويش الكبير، و أُجْبِرَ الدناقلة على دفع إتاوات لملوك الشايقية، بل إن الشايقية قد وصلوا لأبعد من ذلك، فأدركوا تخوم مشيخة أولاد عجيب، شركاء ملوك سنار و نوابهم على شمال السلطنة، مما ساهم في تحول عاصمتهم جنوباً من (قَرِّي) إلى (الحَلْفاية) -شمال الخرطوم الحالية- (انظر: حَلْفاية الملوك - عون الشريف قاسم: 78؛ صور من حياة الشايقية في القرن التاسع عشر - عباس محمد الزين: 29)، و قد ظل خطر الشايقية قائماً منذ القرن السابع عشر و حتى الغزو التركي للسودان عام 1821م، و وافق ذلك ما حدثنا به كل من د. حسن عووضة كشكش و السيد الهادي كشكش، إذ أكدا لنا –بحسب المعلومات المتوارثة لديهم- أن مملكة دنقلا قد سقطت بغزو الشايقية لها، و أخبرنا د. حسن عووضة أيضاً بأن جده نقد الله (عبد الله) كشكش قتل في معارك الشايقية مع الدناقلة في بلدة الدُّفّار، أضاف السيد الهادي أن تلك المعركة وقعت في عقبة الحتانة غربي الدفار، و كان ذلك في القرن الثامن عشر الميلادي (1700)، و تأكيداً لتلك الإفادة الهامة، فقد ورد بكتاب منطقة مروي المظهر و الجوهر لفاطمة أحمد علي (ص116) أنه "دارت معارك طاحنة بين الشايقية و النوبة في الدُّفّار (ديم قشابي)، في دنقلا العجوز عاصمة مملكة المقرة المسيحية، و في الخندق، و أرقو، و الغابة". ا.هـ.، و إن المعركة الأخيرة حدثت في جنوبي الغابة في المنطقة المسماة بالـ( الكونج ) –بحسب السيد الهادي-.
و سقوط مملكة دنقلا قد ذكره عون الشريف قاسم في موسوعته، (2/889) قائلاً: "و كانت بدنقلا العجوز مملكة ملوكها آل سوار الذهب، آل مرغني سوار الذهب، خربها الشايقية قبيل الفتح التركي".
و لم يستطع الدناقلة مجابهة التهديد الشايقي حتى اتحدت ممالكهم بقيادة ملك الخندق –شمال دنقلا العجوز-، عندها هزم الشايقية، و تم دحرهم في نهاية القرن الثامن عشر، و وضع حد فاصل بين الشايقية و جيرانهم من البديرية و الدناقلة عند بلدة الغُرِيبَة. و تأكيداً لذلك يقول السيد الهادي كشكش: "و قد كان تحالف الدناقلة يتكون من الدفار و دنقلا العجوز و أرقو، ضد الشايقية، و كانوا من قبل قد خربوا دنقلا، و قسوا على أهلها، فهجروها إلى أقصى الشمال، و إلى غرب السودان." ا.هـ.
  رد مع اقتباس
قديم 08-29-2012, 01:33 PM   #17
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()

الأصول المروية الأخرى عن آل كشكش:

و آل كشكش مثلهم كمثل العديد من الأسر و المجموعات السودانية، قد يتردد لهم أكثر من أصل، بحكم المصاهرة حيناً، و بحكم الجوار القبلي حيناً آخر، أو ربما لمجرد تشابه الأسماء، و هذا مما يدخل في باب مؤتلف و مختلف النسبة، أو حتى بسبب عوامل الجهل و ضعف التدوين و التوثيق، و الذي كان آفة أتت على كثير من الأحداث و الشخصيات فجعلتها نسياً منسياً، و غيرها من العوامل التي قد تساهم في تعدد ما يحكيه الناس في أصل هذه الأسرة أو تلك، و لحسم هذا التردد، فإنا اعتمدنا بالأساس على رواية الأسرة عن أنفسهم، و مضاهاة ما يحكونه من موروثات و أحداث و شخصيات مع ما ثبت و صح في كتب التاريخ و التراجم، سواء أكانت مكتوبة بأياد محلية، أو عربية، أو غربية، و مقارنة ذلك بسياق التاريخ و وقائعه. و كما ذكرنا سابقاً فإن أنظارنا و أسماعنا اتجهت صوب أعلمهم و أكثرهم حرصاً على جمع تراث هذه الأسرة، و قد اتفقت الآراء بين من تواصلنا معهم من أسرة الكشكشاب، و من بينهم صاحب العينة د. حسن كشكش، الذي دلنا على السيد الهادي كشكش باعتباره مخزناً للعديد من الروايات التي ورثها عن أكابر الأسرة، و الذين توفي معظمهم قبل ربع قرن أو يزيد.

نعود للقول بأن إقليم دنقلة، ذو مساحة شاسعة، و حمل مسمى أحد أهم و أعرق مدنه، مدينة دنقلة التاريخية الملقبة بـ(العجوز)، و هي غير مدينة دنقلا العُرْضِي (الأوردي) التي أنشئت شمال دنقلا التاريخية، و تعتبر الآن مدينة حديثة و عاصمة الولاية الشمالية بجمهورية السودان، و يقول د. يوسف فضل محقق طبقات ابن ضيف الله، معلقاً على ورود اسم دنقلا في متن الكتاب (هامش ص48): "يبدو أن كلمة (دنقلا) كانت تطلق على منطقة إدارية تشمل ديار البديرية و الدناقلة و هو الجزء الذي تقع فيه مدينة دنقلا – أي دنقلا العجوز. و أرجح أنه الجزء الذي خلقت منه الإدارة التركية المصرية مديرية دنقلا مستقبلاً". ا.هـ.
و يعتبر إقليم دنقلا نقطة التقاء، و تجمع تاريخي و جغرافي، إذ أنه محطة رئيسية للطريق من الشمال إلى الجنوب و بالعكس، و كذا لطرق قوافل الحج و التجارة من أواسط و غرب إفريقيا إلى مصر و ساحل البحر الأحمر، و قد امتزجت به مختلف الطوائف و الأجناس و الأعراق، مُشَكِّلَةً تلك اللوحة المزدانة بجميع الألوان و الثقافات، فهكذا نتج لدينا ما نسميه اليوم بمجموعة (الدناقلة).
و فيهم يقول البروفيسور عون الشريف قاسم(2/887):
"دناقلة: سكان دنقلا و أصلهم من النوبة و يتحدثون الدنقلاوية إحدى لهجات اللغة النوبية الأربع امتزجوا بالعناصر العربية فنشأ في وسطهم الجابرية و البديرية و الحاكماب كما اختلطوا بالمحس إلى شمالهم بحيث يصعب في بعض المناطق التحديد القاطع للانتماء. و انتشروا في معظم السودان." ا.هـ.








الديار القبلية بشمال السودان (من كتاب معالم تاريخ سودان وادي النيل من القرن العاشر إلى القرن التاسع عشر الميلادي - الشاطر بصيلي عبد الجليل)

و الحقيقة أن الدناقلة في الوقت الحاضر يضمون أجناساً أخرى، بالإضافة للمذكورين، كالعبابدة، و الجعافرة، و الحلاوين، و الجعليين، و الكبابيش، و الهواوير، و الحسانية، و الأقباط، و الأدارسة، و الأتراك، و المصريين المسمون بالريافة، و التكارين، و غيرهم كثير، و عندما نقول دناقلة فهو كقولنا مكاوية، أو جداوية، فالنسبة للمنطقة، و ليس بالضرورة انتماء الجميع لذات الأصل القبلي أو العرقي.
  رد مع اقتباس
قديم 08-29-2012, 01:35 PM   #18
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()

أولى تلك الروايات التي نريد تناولها بالبحث و التحليل بخصوص أصل آل كشكش، رواية تجعلهم في عداد الشايقية، و ربما مصدر تلك الرواية ما ذكره عون الشريف بموسوعة القبائل و الأنساب (5/1983):
"و اشتهر ملك الشايقية بدنقلا حسن ود كشكش الذي تزوج ابنته الشيخ محمد بن عيسى سوار الدهب، و ولدت له ابنه حلالي". ا.هـ.

لكن ذلك غير وارد لحروب ملوك الشايقية التي شنوها على الدناقلة، مما يضع فارقاً بين مجموعة الشايقية و مجموعة الدناقلة، فلم تكن دنقلا و أهلها تابعين لممالك الشايقية، إلا في فترة متأخرة في القرن الثامن عشر –أي بعد حياة الملك حسن كشكش-، عندها فقط أُخْضع الدناقلة و فرضت عليهم الإتاوات، فلم تكن دنقلا في يوم من الأيام معقلاً من معاقل الشايقية التاريخية الذين كان حدهم الشمالي بلدة الغُرِيبَة، و التي تبعد حوالي 120 كم جنوب شرق دنقلا.
يقول عباس محمد الزين (ص29)، بعد سطوع نجم الشايقية في أواسط القرن الثامن عشر (1700):
"بعد أن اطمأن الشايقية إلى تأمين حدودهم الجنوبية، ساروا على النيل شمالاً و سقطت تلك الممالك تحت سطوتهم تباعاً و خربوا دنقلا العجوز و قتلوا الكثير من أهلها و تشتت من سلم منهم في الجهات فسكنوا بربر و شندي و فر بعضهم إلى كردفان فاستوطنوها، أما ملوك الدناقلة فقد صالحوهم على جزية تساوي نصف دخل بلادهم و أقروا أسرة الزبير الملك على حكم البلاد". ا.هـ.

فإذا ما علمنا أن الملك حسن كشكش قد عاش كأقصى تقدير في بداية القرن السابع عشر (1600)، و أن الشايقية لم يمتد سلطانهم لممالك الدناقلة قبل أواسط القرن الثامن عشر(1700)، عندها يمكننا القول بما لا يدع مجالاً للشك أن الملك حسن كشكش لم يكن من الشايقية إطلاقاً، و بمتابعة فروع الشايقية، و عن طريق التثبت مع العارفين بأنسابهم، لم نجد رأياً يعد آل كشكش من الشايقية، ناهيك أن كتاب الأستاذة فاطمة أحمد علي و الذي يعد أوسع بحث في نسب الشايقية أعد لحد الآن، فإنها لم تذكر آل كشكش في عداد الشايقية أو ملوكهم، علماً أنه كانت للشايقية أربع ممالك مشهورة: العدلاناب، و الحنكاب، و العماراب، و السواراب، و قد جاء على ذكرها كل من نكولز في كتابه الشايقية، و عباس محمد الزين في كتابه صور من حياة الشايقية في القرن التاسع عشر، و لم يعد الملك حسن كشكش ضمن أي من ملوكها.
  رد مع اقتباس
قديم 08-29-2012, 01:37 PM   #19
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()

أما الرواية الثانية فتجعلهم من بقية الطبقة الحاكمة للفونج ملوك دولة سنار،
فقد كان لهؤلاء الملوك مبعوثين في شتى البقاع و مناطق نفوذهم، يقضون بأمرهم، و يحافظون على ثغور الدولة السنارية. و ليس لدينا تأكيد عن الفترة التاريخية التي امتد فيها سلطان سنار على منطقة دنقلة، و لكنه غالباً ما يكون في القرن السادس عشر الميلادي، أي بعيد قيام الدولة عام 1504م، و لذلك نرى شيوخ الدين الدناقلة المعاصرين لتلك الفترة على صلة وطيدة بملوك سنار، ربما طمعاً من الملوك في توثيق صلتهم بأطراف المملكة، ناهيك أنه توجد إشارات أن ملوك أرقو –شمالي إقليم دنقلة- قد عقدوا حلفاً مع ملوك سنار بعد التهديدات التركية الآتية من الشمال، بعد ضم العثمانيين لمصر عام 1517م، و اتجاه أنظار الأتراك العثمانيين نحو غزو النوبة لتأمين حدودهم الجنوبية، و اندلاع سلسلة من المواجهات الحربية بين كلا الطرفين، فكان لزاماً على ملوك أرقو الذين كانوا يتمتعون بنفوذ واسع في المنطقة، أن يؤمنوا مملكتهم، و يعقدوا تحالفاً مع الدولة الوليدة في سنار. (انظر: مملكة أرقو- محمد علي طه الملك: 87-89 / 114-115)

و لدى نظرنا في رواية الأصل الفونجاوي، وجدنا أنها غير حقيقية البتة، و ما دفع بعض العامة للاعتقاد بها أن آل كشكش كانوا بالفعل أصهاراً لأولئك النواب الفونجاويين، فكان أن ولد لبساً، و مما زاد هذا الاعتقاد لدى البعض، أن المتعارف عليه تلك الصفة الملوكية التي حملها و لا يزال يحملها آل كشكش في منطقة دنقلة، فهيئ لبعضهم أن أصل ذلك إنما منبعه الصلة الوثيقة مع الدولة السنارية و الانتساب لملوكها، و أنهم من ذات الأصل، في حين أنها مجرد مصاهرة تمت بين البيتين الكشكشي الدنقلاوي و الملكي السناري.
  رد مع اقتباس
قديم 08-29-2012, 01:38 PM   #20
أبو إبراهيم غير متواجد حالياً أبو إبراهيم
باحث في الأنساب


رقم العضويـــة: 433
تاريخ التسجيل: Aug 2010
المشاركــــات: 657
آخر تواجــــــد: ()

الرواية الثالثة :
أما الرواية الثالثة، فهي على ضعفها، فإنما نوردها للفائدة و تفنيدها بما علمناه و أوتينا من مصادر. و تذكر هذه الرواية أصلاً يتصل بـ(الكُشّاف)، جمع (كاشِف)، و هو مسمى نواب السلطنة العثمانية في منطقة النوبة، و قد كان أولئك الكُشَّاف من أصول تركية أو بلقانية، و مركزهم في منطقة الكنوز شمالاً، مروراً بمنطقة حلفا أقصى شمال السودان، و إلى أرض المحس جنوباً، و يتواجد أعقابهم الآن في تلك المناطق و أماكن أخرى مجاورة.

و كما ذكرنا في تفنيد الرواية السابقة، فإن تواجد الأتراك العثمانيين بمنطقة النوبة الشمالية كان بعيد دخولهم لمصر عام 1517م، و قد شكل الكشاف سلطة محلية، لها طابع شبه مستقل عن المركز بالقاهرة عاصمة الولاية، أو إسطنبول عاصمة الدولة، يقول د. عبد العظيم ميرغني في كتابه الكنوز (ص30):
"بعد الغزو التركي لمصر عام 1517م و انتصار السلطان سليم الأول على المماليك و إزالة حكمهم، أصبحت منطقة صعيد مصر و بلاد النوبة منطقة صراع مرير بين البكوات المماليك و الأمراء العثمانيين، كما أصبحت مأوى لكل ثائر هارب من الحكومة، فقرر السلطان سليم تدعيم سلطته في هذه البلاد، فأرسل في عام 1520م أحد قواده و يدعى حسن قوصي لغزو بلاد النوبة و نجح هذا القائد في إنزال الهزيمة ببقايا قوة الكنوز هنالك، و هكذا اضمحلت إمارة الكنوز و أضحت تعيش على مستوى القبيلة فحسب بأرض المريس.
هذا و قد قام السلطان سليم بترك حاميات من الجند العثمانيين (الغز) الذين تعود أصولهم لمنطقة البلقان بعد أن بنى لهم قلاعاً في أسوان و إبريم و الدر و جزيرة صاي، و قد عرف سكان هذه الحاميات باسم الكُشَّاف.
و هم ينقسمون إلى عشائر فرعية أهمها الداوداب، البشناق، أغا حسين، المجراب، و كانوا يتحدثون باللغة التركية، و قد امتد حكم الكُشَّاف هؤلاء باسم السلطان العثماني من بلاد الكنوز في شمال النوبة إلى بلاد المحس في جنوبها، و كان مركز حكمهم في منطقة وادي الفاديجا (بلاد السكوت و المحس)." ا.هـ.

و يضيف د. عبد العظيم (ص31):
"و كانت النوبة تحت إدارة الكشاف دويلة ذاتية الحكم عميلة لمصر في مواجهة سلطنة الفونج التي امتد نفوذها في فترات قوتها إلى دنقلا". ا.هـ.

و لدينا خبر مهم عن الرحالة العثماني التركي أوليا جلبي في رحلته للسودان عام 1672م، إذ يقول لما مر بقلعة صاي الواقعة في أرض المحس شمال منطقة دنقلة (2/371):
"أوصاف قلعة صاي:
هي آخر حدود ممالك آل عثمان، و بناها أبرهة في جزيرة واسعة بنهر النيل، و قد توارثها ملوك بعد ملوك، و قد فتحها عمرو بن العاص عام 22هـ بقيادة الأسود بن مقداد، ثم استولى عليها الفونج، و في عام 935هـ و في عهد سليمان فتحها أوزدمر بك، و هي قلعة حدود بناء على معاهدة أبرمت مع الفونج، و قد وفى ملك فونجستان بعهده إلى يومنا هذا فما استولى عليها مخالفاً لما تم الاتفاق عليه، و بما أنها واقعة على نهاية الحدود فإن المتمردين من فونجستان و بربرستان لا يكفوا عن مناوشاتهم". ا.هـ.

فهذا الرحالة العثماني، و الذي قضى قسماً كبيراً من حياته متجولاً في أنحاء الإمبراطورية العثمانية، و بعض ما جاورها، مسجلاً أحد أهم المراجع في تلك الحقبة (سياحت نامه)، فلا بد أنه كان يعلم علماً يقينياً أين تنتهي حدود دولته، كما بينها في الاقتباس الأخير.

و في ذات السياق أن دنقلة كانت واقعة تحت نفوذ ملوك الفونج، و ليس الترك العثمانيين، فإن فانتيني يورد خبراً هاماً آخر عن بعثة أرسلها بابا الفاتيكان عام 1705م إلى إثيوبيا، فمرت تلك السفارة بأرض النوبة، و دنقلة تحديداً، يقول فانتيني (ص219) نقلاً عن تقرير البعثة البابوية: "كان المك (الملك) بدنقلا العجوز في ذلك الزمان خاضعاً لملك الفونج و والياً له". ا.هـ.

فكما نلاحظ من خلال ما استعرضناه أن فترة تواجد الكُشَّاف في السودان حديثة، و لم يمتد نفوذهم إلى دنقلا أبداً، إذ أن منطقة دنقلا ظلت خارج السيادة العثمانية، حتى دخول جيوش محمد علي باشا السودان عام 1821م، و من خلال أسر الكُشَّاف المذكورة، فإنه لم يعرف انتساب آل كشكش لأي من تلك الأسر. وجدنا أنها غير حقيقية البتة
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 03:49 AM.



Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.
(Valid XHTML 1.0 Transitional | Valid CSS! | SEO) .
For best browsing ever, use Firefox.
جميع المشاركات المنشورة تمثل وجهة نظر كاتبها فقط، ولا تمثل بأي حال وجهة نظر المنتدى و إدارته